الكلام الفضفاض!

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

آفة موروثة تستنسخها الحناجر عبر الأجيال كجزء مهم ومميز في لغة الخطاب الديني والسياسي بمجتمعنا.. هناك من يرد الأمر وينسبه إلى شيوع ثقافة المشافهة والنقل والجمود العقلي وإفرازات أحفاد سوق عكاظ وغيرها، ولذا نجد أن «معنى الأشياء» في مأزق واضطراب كبير عندما يتم التعامل مع مصطلحات العصر، كالحديث عن الدولة المدنية والديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان مثلاً.. عندها ﻻ نسمع إلا كلاماً فضفاضاً تعميمياً غير محدد، وجعجعة مغرقة في السطحية وخواء في المعنى.

فهناك من يعادي مصطلح «الديمقراطية» مثلاً ويعتبرها كفراً دونما فهم ولا دراية، إذ يكفي أنها قادمة من أهل الفرنجة! وهناك من يحاول إدغام المعنى بامتطاء و«أسلمة» المصطلح ومحاولة ربطه بـ«الشورى»!! رغم علمه بأن الشورى هذه لم يتفق عليها أهل الفقه عبر تاريخنا.. أتكون ملزمة أم غير ملزمة؟! وهي التي وردت مرتين في القرآن كقيمة عليا ومبدأ عام دون تفاصيل، لأن إنزالها واقعاً وتحديد الآلية لتنفيذها متروك للجهد البشري حسب معطيات المكان والزمان ولكنهم في الأغلب لا يذهبون بعيداً ويتبنون الرأي بأنها غير ملزمة وينادون بالخلافة (حكم الفرد) رغم أنها نموذج تاريخي غير ملزم.

الدولة المدنية ﻻ تعني لهم دولة المؤسسات والقانون ودولة المواطنة وحقوق الإنسان، وإنما يختزلون الأمر على أنها تعني ألا تكون دولة عسكرية ويتغافلون على أنها يجب ألا تكون دولة دينية أيضاً. الحقيقة الواقعية هي أن الجيش هو القوة الموجودة ويبقى عقبتهم الوحيدة في السيطرة والاستحواذ على السلطة.

الدولة المدنية ﻻ تعني لهم دولة المؤسسات والقانون ودولة المواطنة وحقوق الإنسان

عندما يأتي حديثهم عن السلطة، نراه يدور حول اعتقادهم بأنها هبة أو منحة من الله استناداً إلى «يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء».. واستناداً إلى فقه التمكين - «والذين إن مكناهم في الأرض...» ومن ذلك اليقين، يرون أن صندوق الانتخابات ليس إلا وسيلة عملية للتمكين ليس إلا، أي وسيلة موقتة للاستحواذ على السلطة، أما إذا نزع الملك منهم مثلما حدث مع «مرسى» مصر.. ذهبوا إلى بكائية الابتلاء! وكأنهم هم وحدهم الذين يعينون ويشخصون إرادة الله.. متى تكون حاضرة ومتى تكون غائبة، «حاشا وكل»...وهكذا تمضي بهم لغة الشعارات الرنانة والكلام الفضفاض ويستمر تأرجحهم بين التمكين والابتلاء!

باختصار، إنهم وبكل انتقائية وتدليس يتغافلون عن أن الشرعية الحقيقية تقوم على رضا المحكومين وليست بيعة مؤبدة.. ويدلسون على الناس لتجيير الأحداث لمنهجهم الفاشي، فممارساتهم واقع تشهد بأن علاقتهم بالديمقراطية ليست إلا ركوب موجة وانتهازية ومسايرة للقبول الشعبي للمصطلح. بالمختصر وفي صلب الموضوع.. لا شك لدي أن أي نظرية شمولية أو دين يؤمن الأتباع بأنهم أصحاب كتاب ورؤية مقدسة للكون والحياة وأنه يملك وينطق بالحقيقة النهائية والصوابية المطلقة، هو بالقطع مصدر لإنتاج التعصب والتطرف والعنف والإقصاء، لأن مآل مثل هذا الاعتقاد المغلق والنهائي، هو إقصاء الآخر المخالف وقمع لحرية التفكير بتغليب الأمر على الرأي، والاشتغال بلغة الإدانة والتكفير، على سبيل الإقصاء للآخر على المستوى الرمزي أو الجسدي. وهذا هو مآل كل (مشروع أصولي فاشي) يدّعي أهله احتكار الحقيقة، ويفكر بعقل أحادي أو بمنطق شمولي استبدادي.

ولذلك أظنه من السذاجة أو المداهنة أن نقفز فوق نقد هذه الرؤية وهذا الجذر الأصيل المولد للعنف كما تمارسه اليوم التنظيمات «الإسلامنجية الجذرية الجهادية» بمجرد ادعاء تلك الجماعات أنها مع قيام دولة مدنية. إن تبني الدعوة الحقيقية للدولة المدنية هو ما يجب أن يدفعنا لتبني النسبي لا المطلق في ما يخص الأفكار والرؤى والبرامج، أما المطلق فذلك اعتقاد يقيني للإنسان وله مطلق الحرية فيما يعتقده على ألا يفرض اعتقاده ذلك على الآخرين عنوة وإكراهاً.

وإيمانا بتطور الإنسان ومسيرته إلى المستقبل المتغير عن اليوم.. أظن أنه ما عاد يجدي أن نحلل ونشخص الواقع باستخدام كلام فضفاض ومفردات وشعارات تمت إلى عالم فكري ولى زمنه، فهي لا تنتج إلا ما ندعي محاربته... ومرد هذا العجز هو الإصرار طوال عقود، على اجترار العناوين والشعارات حتى باتت خاوية، عقيمة، مدمرة.. ولعله وبعد كوارث ما حدث ويحدث بدول «الربيع العربي» من أولئك وما يحملون من فكر فاشي قد حان وقت الإجابة عن السؤال، ونتبين من أين أتى كل هذا الخراب وكل هذا التوحش وهذه الفوضى المدمرة.

هل بعد كل الذي حدث لا زالت أمامنا فرصة ذهبية لنبني دولة مدنية عصرية؟. أظن الإجابة.. «نعم».

فالتنوع والاختلاف العرقي والجهوي والقبلي في الوطن ليس نقطة عجز أو عامل ضعف، بل قد يكون مصدر ثراء وثروة حضارية، هذا إذا ما كانت تلك (المكونات) قادرة على تجاوز دوائر التخندق البدائية، ونبذ الفاشية الدينية والتقدم إلى آفاق جديدة. «مشوار طويل» نعم.. ولكن يجب أن نبدأ ولا نضيع الفرصة المتاحة حتى الآن قبل الانزلاق الكامل «إلى الهاوية».

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات