الأفغان العرب.. طبعةٌ ثانية

نورالدين السيد الثلثي |
نورالدين السيد الثلثي

يشير مسار الحرب في سورية إلى أنها ستضع أوزارها في المستقبل القريب. سيعود إلى سورية السلام ومعه دولة سورية من نوعٍ ما. ستكون مئات مليارات الخليج ومعها ملايين اقتطعها المجلس الانتقالي الليبي قد ضاعت هدَرًا؛ أو هي عند السادة ومتفرِّجٍ بعينه استثمارٌ أتى بجَنيِه: تدميرُ دولة عربية. وانتقلت في الأثناء عشرات آلاف أرواح الأبرياء وغير الأبرياء إلى بارئها، تحت راية ربيعٍ عربيٍّ كاذب. وماذا بعد؟

مقاتلون من أجل الحرية وإرهابيون ومُغامرون أتمُّوا حملتهم التدميرية، وآن لهم أن يرحلوا. هي نسخة طبق الأصل من قصة أفغانستان. كانت «القاعدة» صناعةً أميركية كما شهدت بذلك هيلاري كلنتون أمام إحدى لجان الكونغرس. رجالٌ وتمويلٌ خليجيٌ وتعبئة جهادية وهابية، والهدف إنهاك الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. نجحت الفكرة الجهنمية، وانسحب الاتحاد السوفييتي منهَكًا وانتهى إلى ما نعرف. استمرت أفغانستان بعد الحرب ميدانًا لاستقطاب «المجاهدين» والتدريب والتعبئة، وعاد من عُرِفوا بـ «العرب الأفغان» إلى بلدانهم، حاملين رسالةَ تطبيق شرع الله وتصحيح مفاهيم الدين في مجتمعاتهم، ومشحونين شحنًا «جهاديًّا» غايته الإطاحة بأنظمة الحكم فيها.

إنقاذ الوطن لم يعد يحتمل عبثَ وإسفافَ مَن نراهم على المسرح من مرتَهَنين ومُفسدين ومتربِّحين

الفصل الثاني من قصة أفغانستان يتكرر مع سورية، ومن بعدها العراق حين يستعيد الموصل، ثمّ ليبيا وقد بنت دولتها. أعداد «المجاهدين» في سورية تصل إلى عشرات الآلاف كانوا قد قدِموا من الدول العربية ووسط آسيا وأوروبا، وطبيعيُّ أن يعود كلٌّ، بعد الحرب، إلى بلاده. دولٌ مثل تونس والأردن ومصر تخشى الإخلال بالسلم والاستقرار فيها، وكذلك الدول الأوربية. والخوف يدبّ في أوصال دول الخليج ذاتها. الجدل دائرٌ - في تونس مثلاً - حول كيفية التعامل مع العائدين ومنهم عناصر إرهابية متمرسة. هناك رفضٌ لدى البعض لاستقبالهم ودعوة لإسقاط الجنسية عنهم، حمايةً لأمن الدولة، ولأن في قتالهم في صفّ «دولةٍ» أو جهةٍ أجنبية مبرّرًا لإسقاط الجنسية عنهم. ويرى البعض الآخر موانعَ قانونيةً حقيقية تحول دون رفض استقبالهم أو إسقاط الجنسية، إلا أنهم يصرون على ضرورة الاحتجاز والتحقيق ومحاكمة مَن يثبت تورطهم في أعمالٍ إرهابية طبقًا للقوانين السارية.

ليبيا ليست بعيدةً عن الخطر المحدِق ببلدان منطقتنا وغيرها من دول العالم. سيعود إلى ليبيا مقاتلون ليبيون، ومقاتلون غيرُ ليبيين يتخوّفون ممّا ينتظرهم إذا ما عادوا إلى بلدانهم الأصلية، أو يرون في ليبيا ميدانًا آخر يتوجّب فيه «الجهاد». ليبيا التي عانت ولا تزال من الأفغان العرب الليبيين في نسختهم الأولى ليست اليوم في وضعٍ يمكّنها من مواجهة خطرهم الداهم في نسخته الثانية وقد زاد عليهم أفغانٌ عربٌ غيرُ ليبيين. وقد ترى دولٌ أن نجاتها تقتضي أن تكون ليبيا الملاذ لكل هؤلاء. إنقاذ الوطن لم يعد يحتمل عبثَ وإسفافَ مَن نراهم على المسرح من مرتَهَنين ومُفسدين ومتربِّحين.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات