عام «الولايا» (قصة مدينة)

عزة كامل المقهور |
عزة كامل المقهور

«الولايا»هي جمع «ولِيا»، وتعني باللهجة الليبية «المرأة»، وعادة ما تكون مغلفة بالضعف والهوان والاستصغار، ويختلف استعمالها عن كلمة «المرا» التي تقع في إطار التعريف بالزوجة وأحيانًا القوة والجرأة، أو كلمة «نساوين» وتطلق على جمعٍ من النساء في أجواء الأنوثة والحميمية. لذا فإن كلمة «الوليا» و«الولايا»لا تستعمل كثيرًا، وإن استعملت تكون في حالات الاستجداء والضعف مقابل ذكر يذل ويأمر بما لا ترغب.
ما كان لأحد أن يصدق منذ سنوات خلت أن عبارة «عندكم ولايا» ستسري «هاشتاج» كالحمى في أوصال مواقع التواصل الاجتماعي، وتؤرخ لبلد في العام 2016، ضاقت المدينة كما تضيق القلوب على أصحابها حتى اغتصبوا النساء وقتلوهن ورموا بجثثهن على ناصية الطرقات.

تقع المدينة على ساحل المتوسط وتعرف بمبنى يميل إلى الاحمرار يعرف بـ«السرايا»، يطل على البحر شمالاً وعلى ميدان واسع شرقًا، وتتوغل غربه وجنوبه مدينة قديمة عامرة بالجوامع والأسواق والمتاجر والجوالين والفنادق والمقاهي والحواري والأزقة والكنائس والمعابد والمكتبات والحمامات البخارية والصناعات التقليدية. تتقاطع في هندسة فريدة تجعلها مزيجًا من ثقافة المتوسط والثقافات الأخرى كاليونانية والفينيقية والرومانية واليهودية بحارتيها الصغيرة والكبيرة ضمن رقعة عربية واسعة تعرف بحومة غريان، والإسلامية بمساجدها أحمد باشا وقرجي والخروبة وشائب العين والناقة وسيدي عبدالوهاب وصوفييها، والأمازيغية والأفريقية، ولا تخلو من أقواس وأعمدة رومانية. وهي مدينة مصغرة لبلد مترامي الأطراف يُعرف بليبيا.

كلمة «الوليا» و«الولايا»لا تستعمل كثيرًا، وإن استعملت تكون في حالات الاستجداء والضعف مقابل ذكر يذل ويأمر بما لا ترغب.

لكن المدينة ضاقت بأهلها وكأنها انكمشت في أحد أزقتها المسمى «الزنقة الضيّقة» هذا الزقاق ولوحته على الجدار يثير شعورًا بالضيق والهم وأحاسيس بالظلم، لأنه ليس كغيره من أزقة المدينة القديمة المكناة بأسماء أسر عاشت فيها، أو جاليات استوطنتها مثل زنقة الفرنسيس أو الإسبانيول أو النصارى أو المالطية، أو الأسواق التي اكتظت بها كسوق المشير وسوق الترك وسوق العطارة وسوق القزدارة.

«إنها الحرب»
كنا صغارًا نسمع حكايات الحرب العالمية الثانية التي دارت رحاها في البلاد، فقد استوطن الطليان فيها وزارها الدوتشي موسيليني في العام 1934، وأطلقوا عليها الشاطئ الرابع لإيطاليا. وحين اندلعت تلك الحرب ما بين الحلفاء والمحور كانت ليبيا مسرحًا من مسارح عملياتها الحربية. كانت جدتي تحكي لنا عن تلك الحرب في بيتها الهادئ الذي تزوره طيور الخطيفة كل مساء، وتعشش العصافير على أشجار الزينة وتشدو في الصباح الباكر، ويعلن ديك الجيران بين الحين والآخر عن وجوده، وشجرة التوت الوارفة التي تنز ثمارًا معسلة، نستمع دون أن تثير فينا أحاسيس الخوف أو الحزن، قد يكون السبب أننا في زمن رخاء ونفط واستقرار أو قد يكون السبب أن أبطال حكاياتها رحلوا عن هذا العالم منذ زمن. فأنا لا أعرف جدي الذي قرر البقاء في «السانية» وعدم الاحتماء بالملجأ الذي استودع فيه عائلته، حتى قصف الطيران السانية وكاد أن يفقد حياته، فقرر الرحيل إلى مدينة غريان الجبلية مع كل عائلته الكبيرة من قاطني «السانية».

تقول جدتي إنهم ركبوا «الشمنديفير» وتقصد القطار، وإنهم قطنوا في بيت «حفر» في غريان، وهي بيوت محفورة في الأرض الجبلية الصخرية، يصل إليها عبر ممر طويل وتفتح ساحتها إلى السماء.
تحكي جدتي أن عدو هذه البيوت الثلج، وأن أسرًا كثيرة ماتت بسبب انغلاق الكهوف على أصحابها. لم تكن لا الحرب ولا «الشمنديفير» ولا الثلج ضمن مفرداتنا ولا تفاصيل حياتنا فلم نعش حربًا ولم نركب قطارًا ولم نر ثلجًا.

طرابلس مسالمة حد الاسترخاء تشعر باسترخائها هذا وأنت تواجه شاطئها الذي يمتد على طول البصر. تشعر بها أنثى على الرغم من أن اسمها غير مؤنث، وتراها بشعر طويل يسترخي على اللجة الزرقاء، تراها عارية أحيانًا تغمر نهديها المياه، وقد يكون للصورة الأخيرة علاقة بمنحوتة شهيرة من البرونز لامرأة عارية تحتضن غزالة تصب على جسدها المعدني المصقول مياه نافورة تتوسط أحد ميادين المدينة.

ولا يمكن أن تراها إلا شابة مدى الحياة، ضاجة مغنجة في صباحها ومسائها، وفاترة كسولة وقت الظهيرة. جوها الصحو ونسيمها العليل يدفع في نفوس سكانها الأمل، فشمسها وهي تسطع صباحًا تغمر حوائط مبانيها البيضاء وتحفز أهلها على الخروج سعيًا للرزق، وتسري حرارتها في أبواق سياراتها المتراصة، وقلما تحجب من الغيوم، وحين تمطر شتاءً تغتسل طرابلس وتبتل وسرعان ما تجفف ظهرها الأملس وتستلقي مجددًا عليه.

كانت تتكلم بصوت مكبوت «حرام عليكم عندكم ولايا»، هكذا لخصت المرأة قصتها، فسمِع أهل المدينة كلماتها المقتضبة.

«تحب الغناء»
تتغنج في الأعراس التي تمتد لأيام سبعة، وتعتمد في غنائها على الكلمات واللحن أكثر من الأداء. فأصوات «الزمزامات» وفرق «الزكرة» لا تطابق المقام. وحلقات المألوف الأندلسية تعتمد على الدفوف وفن الإيقاع وحشد أصوات الرجال دون «السولو». لكن نساءها ورجالها على حد السواء يطربون للغناء وأبيات الأغاني التي ترددها الأجيال ولا تتغير ولا تتطور إلا لمامًا.

هادئة ومسالمة حتى إن البعض من مناطق متفرقة من البلاد يصفها بالتخاذل. والحقيقة أنها مدينة أقوى من سكانها، فما وطأها ساكن من مدينة أو قرية أخرى إلا وفرضت عليه مدنيتها، وهذبت طبيعته الصحراوية أو الجبلية أو القبلية أو الريفية لتشذب مظهره وتحلق شاربه وتنزع غطاءه، وتخفض صوته وتصقل أدواته وتهدئ من روعه وتعدل من مشيه، وترخي أطرافه وتعطر جوانبه وتبخر ملابسه وتزين إصبعه بخاتم فضي، وتغطي أصابع قدميه بنعل جلدي وتحتم عليه تزرير قميصه وتمنع عليه استخدام قبضته.

أما النساء فيغرقن في ماء طرابلس المزهر ويتعلمن السباحة فيه بمهارة. فأرض طرابلس لا تنبت فيها عادات الأقوام الأخرى، لكنها توزع عاداتها بالتساوي بين سكانها وتجعل منها نقطة التقاء. تهتم المدينة بنسائها وتمنحهن براحًا واسعًا من التنزه والمشي على الأقدام والسباحة إلى التسوق والنقاش في الأثمان، وقيادة السيارة وحتى الدراجة والتريض في الأماكن العامة والعمل في كل المصالح والدوائر الحكومية وإلقاء الشعر، والرسم والتمثيل والغناء وحتى الرقص في فرق الفنون الشعبية. وللمرأة صوت في المدينة وهي جزء من لوحتها البارزة بألوان زيتية محفورة بسكين فنان ماهر. فلا تخلو طرابلس من نسائها أبدًا، وكل وافد إليها ينصاع تلقائيًا إلى أصولها وتقاليدها ويتفنن ويتنافس في أدائها.

«والأجمل أن لا أحد يسأل من أين؟»
كلنا إليها وافدون سواء من تخومها أو من وراء بحرها حتى آسيا الوسطى وهضبة الأناضول وجزيرة كريت، أو من مجاهل أفريقيا أو من مكناس أو وهران أو حضر موت أو صلالة أو المنامة، ما إن ترطن بلحن أهلها وتفرق ما بين القمجّة والفرملة والمريول والرداء، أو ما بين الفرملة والبدعية والزبون، أو يكون أهلك قد سكنوا الحارة أو بلخير أو الظهرة أو زاوية الدهماني أو شارع الزاوية أو بومشماشة، أو دفنوا في سيدي منيدر أو سيدي بوكر، حتى يوسّم على جبهتك الطابع الأصلي، وتتجدد أصول الوافدين لتسكنك المدينة ولا تفكر في العودة أبدًا.
لذا فلا يمكن لمدينة تسترخي على إيقاع موجها ألا تكون إلا مدينة مسالمة.

ولا يَنطق فيها أحد كلمة «وليا» أو «ولايا»، حتى كانت هذه السنة التي تكاد أن تنقضي وترحل.

كانت تتكلم بصوت مكبوت «حرام عليكم عندكم ولايا»، هكذا لخصت المرأة قصتها، فسمِع أهل المدينة كلماتها المقتضبة وفهِموا. فهموا كثيرًا من ثنايا القصة وقصصًا أخرى لنساء أخريات يرددن بين أسنانهن «عندكم ولايا»، كأنها صفارة الاستغاثة الأخيرة التي تطلقها مراكب الصيد في بحر طرابلس الشتوي الهائج.

لم تقل تلك المرأة إلا هذه الكلمات الأربع. «حرام عليكم عندكم ولاية» ليفهم الجميع ماذا حل بطرابلس. ويعلم الجميع أن المدينة المسترخية تُغتصب كل يوم أكثر من مرة.

كانت تقف بين الرجال الثلاثة عارية. يُمسك أحدُهم بهاتف جوال نوع «أي فون» آخر إصدار، والآخران يمسكان بها. أحدهما يقبض على ذراعها والآخر يجرها من يدها. وهي بين ثلاثتهم عارية. تتمنى لو أن إزارًا يلف حتى أجزاءً منها. نزعوا ملابسها عنوة وهم يتضاحكون. ثم أمروها بالجلوس على الأرض، وقام أحدهم بتصويرها. بل بتصويره وهم يأمرونها أن تشير بأصابعها علامات الذل والامتهان. وكانت لا تردد إلا «حرام عليكم. عندكم ولايا»، فما كان من أحدهم إلا أن صرخ في وجهها بأربع كلمات أيضًا «اسكتي وإلا نعلقلك بنتك» وشتان بين الجملتين. المذلّة والاستعطاف مقابل الشر والتجبر.

كانت أصواتهم تنم عن اعتياد لممارسة هذا الفعل. يكررونه أكثر من مرة وفي ذات المكان المقفل إلا عليهم.

منذ خمس سنوات اعتقدت المدينة أنها تحررت من قبضة أمنية قوية وأنها ستدخل عالمًا جديدًا من العمار والتنمية والمشاريع والانفتاح على العالم عبر البحر المتوسط الذي تقع في قلب ضفته الجنوبية، وتتجاور فيه مع مثيلاتها من المدن وأخرى صناعية متطورة، وبدأت في رسم أحلام وتحقيقها رويدًا رويدًا. لكنهم كانوا يتكاثرون كالصئبان في شعر الصبية المستلقية على النافورة وهي تحتضن الغزالة. كسروا أنفها ثم جيدها، ثم استفاق السكان فلم يجدوها. وكانت هذه بداية الحكاية. حكاية مدينة تسلل إليها ذكور في بهيم الليل، خطفوها وغزالتها روعوا سكانها الآمنين بالسلاح والرصاص، تفرعوا كما يتفرع النجم ليخنق القرنفل والياسمين والفل وشجيرات الحنة ومسك الليل.

لم تقل تلك المرأة إلا هذه الكلمات الأربع. «حرام عليكم عندكم ولاية» ليفهم الجميع ماذا حل بطرابلس. ويعلم الجميع أن المدينة المسترخية تُغتصب كل يوم أكثر من مرة.

ليصحو من يصحو ويجد في كل مرة امرأة عارية تحتضن غزالتها ملقاة على مفترق الطرق، تتمنى أن يرش جسدها الماء ويغطيه. رأسها منكس أو ملقى إلى جوار جسدها. وشفتاها المزرقة تردد. «حرام عليكم عندكم ولايا».

بعد أعوام قد أجلس إلى جوار النافذة كما كانت تجلس جدتي ومن حولي أحفادي، انظر إلى شجرة التوت الأحمر واستنشق عبير الياسمين والفل ومسك الليل تأتي بها نسمات بحر مدينتي ذات مساء، سأحكي لهم عن حرب الأخ وأخيه، عن القتل والرصاص والخطف والفدية، عن استئساد الذكور بالسلاح وعن زعمائهم الجبناء. عن طوابير الخبز والمصارف، عن حياة الظلام بلا كهرباء وعذاب انقطاع المياه. عن الذهب الأسود الذي يختلفون حوله وهو في قاع الأرض والبحر، عن الأموال المنهوبة والجيوب المنفوخة وليالي التعذيب والحرق المجنونة، عن مدن نزحت وأطفال تيتمت وشباب بترت الألغام أطرافهم.

سأحكي لهم عن المدينة التي نهض سكانها ذات صباح فلم يجدوا غزالتهم، عن غزالات جفلت وهربت ونزحت وهاجرت وتمنعت وقاومت وسقطت وحبلت وصرخت وقتلت، لكنني لن أجرؤ على أن أحكي لهم عن قصة «حرام عليكم عندكم ولاية»، لذلك كتبتها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات