عالم موازٍ لعالمنا

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

كتبت نينا خروشوفا أستاذة الشؤون الدولية، بجامعة نيو سكول/ بنيويورك في موقع "project-syndicate" من ترجمة موقع شبكة النبأ الإخباري مقالاً سياسياً هو: "عالم دونالد ترُمب الجديد" بعنوانٍ مُضاهٍ للرواية المخيالية "عالم جديد شجاع" التي اقترحها الكاتب ألدوس هكسلي عام 1932، نبؤةً لأعوام 2540 التي ستبتدئ تقريبا من عامنا 2017 بتوّلي دونالد ترُمب مهمته رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ربما ماسيحقق تنبؤ هكسلي قبل أكثر من 500 سنة من الموعد المحدد بدمار الجنس البشري بسبب ما اختصرته الباحثة بمقالها في: الجهل، وشهوة الترفيه المتفجرة إلى امتدادٍ غير معقول، وهيمنة التكنولوجيا، والإفراط في الماديّة. عثرت بالصدفة عام1980 في إدارة المطبوعات التي وُظّفت إجبارياً بها عام 1979، وكانت للتّو قد آلت من أمانة "وزارة" الإعلام إلى المؤسسة التي سمّيت وقت ذاك بـ"المنشأة العامة للنشر" المستبدلة لاحقا بـ"الدار الجماهيرية للكتاب"، على نسخة من الترجمة العربية لرواية "جورج أورويل" (1984) ولكونها مجهولة المترجم وتاريخ ودار النشر فقد خامرني إحساس شاكّ فيما قرأته متناثرا عن الكاتب وروايته المثيرة أن تكون الطبعة صادرة في لبنان عن واحد من مكاتب الاستعلامات الأميركية أو البريطانية الناشطة في الدعاية ضد الشيوعية في العالم العربي في ستينيات القرن العشرين، وأن الحملة الضارية على المعرفة التي أطلق عليها دكتاتور ليبيا وقتها اسم "الثورة الثقافية" عام 1973 قد ألقت بها قبل سبع سنوات من تعييني في تلك الإدارة ضمن ما ألقت به من كتب وصفت وقت ذاك بالصفراء والمضلّلة شملت أسماء سارتر وكولن ولسن المؤلف المشتهر وقتها فقط ببلاد العُرب بكتابه "اللامنتمي" وبالطبع ماركس ولينين وماوتسي تونغ، وتروتسكي وأيضا حسن البنّا والمودودي وسيّد قطب، المُصادرة كتبهم التي كانت مثار فضولي المعرفي مذ كنت على مقاعد المدرسة الثانوية عام 1971.

في 1978 العام الذي أنهيت فيه دراستي للفلسفة في جامعة بنغازي نشر الكاتب" صادق النيهوم" قصته السياسية الرمزية "الحيوانات " مسلسلة في صحيفة "الأسبوع الثقافي" الليبية وحسب مصطلح"التناصّ" الذي نحته رولان بارت والبنيويون وأتانا لاحقا في الثمانينيات وبغرض رصد مقاربات النيهوم أو "تنّاصاته" مع كتابات مناظرة من الأدب العالمي وهو أمر تنبّهنا إليه مبكراً عبر المقاربة المقترحة عام 1972 من كاتب المقالات المثيرة لنا في صحيفة الأسبوع الثقافي وقتها رضوان أبو شويشة بين رواية النيهوم"من مكة إلى هنا" ورواية "العجوز والبحر" لـ: إرنست همنغواي.

قرأت رواية أورويل الشهيرة "مزرعة الحيوانات" التي لفتني فيها مصير "الطبقة العاملة" الممثلة في الحصان الكادح المستنفد الخدمة الذي ستؤدي به مصالح خنازير المزرعة إلى مصير الذبح في مسلخة المدينة. بينما ظلت روايته "1984" في ترجمتها العربية تلك منسية بين كتبي حتى 1يناير 1984 اليوم الذي تصدرت فيه رواية أورويل أخبار نشرات أذاعة الـ"B.B.C" في لندن ولتكون كما ذكرت في مقالي بالوسط "عالمنا وجغرافيته الأورويلية" 23 مايو 2015 الكتاب الأوّل في برنامج قراءاتي في ذلك العام الكئيب من السنوات المعتمة المعروفة بالثمانينية من القرن الـ 20 في ليبيا التي جعلتها سياسات القمع والكبت والتجويع القذافية وقت ذاك ربما البلد الذي لاتقارن فظاعة عتمته وبؤسه حتى بــ "أوقيانيا "التوتاليتارية الأسم الذي رمز به أورويل عام1948 لبريطانيا متنبئا بمصيرها في عام 1984عندما يحكمها "الأخ الأكبر". المستبد الذي كان دكتاتور ليبيا الأوتوقراطي تلك السنوات صورة عربية مطابقة لبشاعته في الجماهيرية الليبية البائسة.

الكاتب"ميلان كونديرا"الذي كتب تقريبا في كل رواياته عن مصائر الإنسان المُلقى به على رصيف الدولة الشمولية، الحقيقة التي عاشها كنسخة مقابلة ومسطحة لرواية "عالم جديد شجاع" وشقيقتها الأورويلية عام"1984" يقارن بالشعرية "الكافكاوية" نمط الكتابات التي ااستخدمت طيلة عقود كمرجع ثابت لمحترفي العداء للتوليتارية، وإرادتها بأن تكون الصورة المرعبة لمجتمع شمولي خيالي، فيصفها بالكتابة التي لا نوافذ لها، المنغلقة بشكل كتوم أمام الشعر، الطاوية المغزى السياسي المتقنّع بشكل الرواية؛ الفكرة الواضحة والصحيحة بالتأكيد لكنّها المشوّهة بقناعها السردي الذي جعلها غير دقيقة وتقريبية .لـ"عالم جديد شجاع" دخلت فيه السياسة، بسبل الترفيه مرحلة جديدة، عبر"تلفزيون الواقع" و أفلام الصيف، وشبكات الإعلام الاجتماعي، كل الوسائل التي أخفقت تقريبا في إبعاد الناس وخاصة في الولايات المتحدة ـ عن انشغالهم المتزايد،،بما سمّته الكاتبة خرشوفا بالأشياء الأكثر غموضا، والأكثر آنية وتصلبا من أي وقت مضى. وبالرغم مما تبديه الظواهر من الإتمام الحاسم لاستبدال التعطش للمعرفة التفصيلية والمناقشة المعقدة بالتشبث القوي بالشهوات والعادات، والإتباع، حيث ينشغل الناخبون بتبادل صور القطط والأخبار الوهمية على وسائل الإعلام الاجتماعية، إلا أن المقاومة لذلك ستوجد، وربما ستنجح بأن تدمّر نظام ترُمب، ولكنه حتى لو لم ينجح في تمرير سياساته الفاشية والشوفينية فإنه سيصطنع أميركا تعمل من أجل عدد قليل من الأمريكيين، في الوقت الذي سيفقد فيه الأغلبية تدريجيا قدرتهم المتبقية على التمييز بين الواقع المعاش وظله الافتراضي التتويه الذي سيكون وسيلة عبور أميركا إلى أراضي الأورويلية.

ربما سيفاجأ «أورويل» لو عايش ضجيج الانتخابات هذا العام 2016 التي شملت عالم الغرب الذي كتب فيه نبوءته ما سمعناه وقرأناه يومياً من سيل المفردات والكلمات على مختلف المنابر، رائيا في ذلك إثباتاً قاطعاً على صحة نظريته في مقاله الشهير "السياسة واللغة الإنجليزية" المتجاوزة لحدود اللغة الإنكليزية التي كتب في مضمارها، إلى أغلب لغات مدينة بابل. التي تكون الكلمات فيها كما وصفها هولموتز واتسن في رواية هاكسلي "عالم جديد شجاع" بالأسلحة الأعظم قوة في اختراق الأشياء. ولكن مافائدة ذلك إذا كانت الأشياء التي نكتب عنها لاتكمن فيها قوة؟ وهل بالاستطاعة أن نقول شيئاً عن اللاشي؟ بما أسماه أورويل "اللغة الخشبية" المؤسسة على مصطلحات وقوالب معلبة تستند إلى مقدار ضئيل من الزاد الفكري، البادية في مذاق بلا روح ولا طعم، يستطيع المرء وهو يستمع إليها التنبؤ بنهاية الجملة عند سماع الكلمات الأولى منها، والهادفة دائماً إلى الدفاع الأعمى عن فكرة مضللة لا تمت إلى أصول المنطق بصلة، ولا تحوي أي قيمة أو رصيد فكري أو جماهيري.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات