ثورة ناجحة لتفشل

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

اعتدت تسمية النظام الذي أسقطته في 17 فبراير 2011 الثورة الشعبية الليبية، في مقالاتي بـ"الدكتاتوري" ولكن الدراسةالتصنيفية لـ(Barbara Geddes وآخرين)Autocratic Breakdown and Regime Transitions موضعته بالاستبدادي (Autocrtic)، ضمن الاستبداديات الثلاثة التي حاقت بها ثورات التغيير الناجحة.

خصّ التصنيف الأوتوقراطية الليبية بالشخصانية personalist، وميّزها بنمط الحاكم، الذي ليس فقط يكون حكمه مطلقًا، مقرراً السياسة العامة دون أية مساهمة من الجماعة، بل يقيم خياراته السياسية حسب "ماريا جرامينو" بناءً على أفكاره وأحكامه الخاصة، وحتى أمزجته المتضاربة ونادرا ما يقبل المشورة من أتباعه ومواليه، ومايفرقه عن الدكتاتور أن سلطته تخضع الشعب أو جزءاً لابأس به منه بالولاء بينما دافع الخوف هو الذي يُخضع المحكومين لسلطة الدكتاتور.

نتغير ونحن نغيّر الواقع، هذه الفكرة البسيطة التي كرس لها فرانتز فانون كتابه "سوسيولوجيا الثورة" سنخضعها لمحكّ قدرية الثورة الناجحة لتفشل في ثورات الربيع العربي، فبعد فانون سينزاح "الإنسان" المُغِيّر من موضوعة التغيير في أفقها العالمثالثي الذي كان يهيمن عليه واقع الاستعمار، وسيتمحور الكلام على "الواقع المُغيَّر" لمابعد الاستعمار الذي ظلت تخترقته التحليلات السيوسيولوجية للعلاّمة ابن خلدون التي نضطر للعودة إليها لارتباطها بواقع زمنه ،واقعنا الذي لم تغيّر الاستعمارات ومصاعب الاستقلالات جذرياً بُناه.

تخصّص المقدمة باباً عن أحوال من يسميّهم ابن خلدون بالثوار القائمين بتغيير الواقع "المنكر" وبالواقعية التي تشترط فعل التغيير السياسي بتوّفر القوّة المسنودة بـ"العصبية" يحاكم فعل المغيّرين لما أسماه بـ"المُلك" المسنود بقوّة الحاكم وجُنده المعتاش منه.

مهمة التغيير الفاشل تُوكل في النظام المفاهيمي الخلدوني للفقهاء والعّامة، ولكنّ النصّ يؤشّر القيادة لمدّعي الفاطمية،والمهدوية "المنتظرة"، والمتصوّفة، أمّا المفترضون من العامة فيُقدّم أسماءهم بـ"رجل يُعرف بـ" أو من "سواد أهل" كذا ،أما العامّة من اقتدى بهؤلاء "الموسوسين" و"الصفّاعين" فيوصفون كالعادة بـ"الغوغاء، والدهماء،والأغمار، والأراذل من سفهاء القبائل من العرب والبربر" وبذلك لا يكون ابن خلدون، كما يرى محمد آركون استثناءً خارج الرؤية السائدة في فضاء الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية العاكسة للمنظور الحضري التي يشار فيه للعامة بنوعٍ من المواربة والتلميح كونهم عقبة في طريق تقدّم واستنارة العقل، المؤسس لثقافة الخواص أو النخبة والنظام الذي أحكمت بناءه.

دكتاتور ليبيا السابق الذي يمكننا وصفه بـ"الأناركي" بوجهيه الفوضوي الذي ألمحنا إليه والفكري

بحث (Geddes) الذي واكب بدايات تحوّلات ماعُرف بثورات الربيع العربي بسقوط الأوتوقراطيين بن علي في تونس، ومبارك في مصر مع استمرارية اشتغال الدولة في النظامين، مقابل تداعيها وهشاشتها أمام ضربات العنف المسلّح في ليبيا. يقتبس من "كورت وايلاند" قوله أن الانتشار الواسع والسريع للاحتجاجات الشعبية العفوية، قوضت من نجاح معظم حركات المعارضة في تحقيق أهدافها. في تونس ومصر المعارضة، شاحبة ولكن مؤسسات الدولة أبانت بنسبة مرضية رسوخها. أما في ليبيا وهو مافاجأ المراقبين من الخارج فلاوجود ليس فقط للمعارضة بل للدولة ولا حتى للمؤسسة الأمنية التي تحمي النظام ذاته أو البلاد في حالة العدوان عليها. الأمر الذي جعل من حالة انتقال السلطة الإجباري، في ضوء وجود الفراغ المؤسساتي الذي يرتبط عادة بـ الأتوقراطيات الشخصانية في نموذجها الليبي المفارق تقلل من فرص التحول الديموقراطي بل تنفيها، ذلك لأن محاولات إسقاط هذه الأنظمة الاستبدادية (الأتوقراطية) أدت إلى العنف. وهو مايؤسس لحالة من انعدام السلطة أو "الأناركيةanarchism" ليس بمفهومها الفكري ولكن بمدلولها المرادف للفوضى. وهي ما يشير فى الكتابات الغربية إلى حالة بلد أو إقليم جغرافى تفككت أو سقطت فيه السلطة المركزية المسيطرة عليه مما يؤدى إلى صعود قوى مختلفة تتصارع للحلول محلها محدثة حالة من فوضى الحرب الأهلية.

النظام الليبي السابق الذي نرجع إلى وصفه بتسمية الدكتاتورية ممثلاً في رأس النظام كانت له ثلاثة ظهورات سياسية لم تحظَ بانتباه المراقبين، قبيل اشتعال الثورة التي أسقطته: استعادة سمته ونزعته الشعبوية القديمة بظهوره المفاجئ عام 2010 يحف به حرسه وهو يلاحق شحاذات فقيرات جلّهن من المطلّقات والأرامل في شوارع طرابلس، نافياً عنهن وصمة الفقر المُدّعاة منهن، مشكّكاً بل طاعناً في ليبيتهن رغم إبرازهن وثائقهن الثبوتية. تسريبه وهو مايُظهر نزوعه "الأتوقراطي الشخصاني" الأصيل قبل أسبوعين من اندلاع أحداث الربيع العربي في تونس إشاعة قيامه بمظاهرة مع الجماهير " لجانه الثورية" بالزحف وإسقاط "اللجنة الشعبية العامة" أو الحكومة التي يتمدد فيها شبح أوتوقراطيته.لـ 4 عقود، وتشجيعه قبل يومين من فرار دكتاتور تونس "بن علي" فيما عنى سقوطه لشباب اجتمع بهم في مدينة سبها الجنوبية بالزحف واحتلال شقق تخص مشروعا استثماريا حكوميا للسكن فيها، وهو الحدث الذي عايشت وقتها تداعياته الفوضوية الفارقة بحكم وجودي في ليبيا.

تصرّف دكتاتور ليبيا السابق الذي يمكننا وصفه بـ"الأناركي" بوجهيه الفوضوي الذي ألمحنا إليه والفكري، بمعنى "اللاسلطوية" الذي تلاعب دائما بمضمونه، واستجابة الشباب له ليس في سبها فقط بل في توقيت وتنظيم موّحد، ساعدت فيه وسائل تكنولوجيا التواصل- وهو ماكان مفاجئاً وصادماً له- عامّاً العاصمة طرابلس والمدينة الثانية بنغازي التي انبعتث منها شرارة التغيير الثوري فيما بعد.

بوقائعيته التي وصفت بالمتشائمة يصوّر إبن خلدون، مآل الثورة الليبية الناجحة لتفشل فيما تجليه تداعيات الحاضر الفوضوي بقوله "فوقع الهرج (...) وانطلقت أيدي الزّعرة من الشّطار والحربية على أهل العافية والصون وقطعوا السبيل وامتلأت أيديهم من نهاب النّاس وباعوها علانية في الأسواق ..." وحتى لانتمادى في السرد الخلدوني اليائس نتفق مع "جنثر سترن" بأن التغيير ليس فقط الاكتفاء بتغيير الواقع، إننا نقوم بذلك على أي حال. وجزء كبير من هذا التغيير يتم بدون حتى أن نشارك فيه. ما علينا القيام به هو تفسير هذا التغيير، وذلك بالضبط من أجل أن نغيره".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات