الإصدار النقدي بين الحاجة والغطاء

أحمد أبولسين |
أحمد أبولسين

قد لا يبدو منصفا أن نتحدث عن الوضع الاقتصادي في ليبيا في الوقت الراهن من منطلقات اقتصادية، فما هو واقع لا يمكن اخضاعه لأي من المؤشرات والمعايير ومنطق التوازنات الاقتصادية المتعارف عليها ، ولكن وردا على ما ورد في معرض سؤالك عن اصدار النقود وغطاء العمله دعنا نعرف أولا عملية الاصدار النقدي والاجراءات الخاصة بها تم نستعرض اليات الاصدار ونظمه بصورة عامة تنطوي عملية اصدار النقود على تحويل أصول معينة ( قيقية شبه نقدية أو نقدية) إلى وسيلة تبادل ودفع، وبالرغم من أن اجراءات الاصدارا تختلف حسب القاعدة النقدية المتبعة من دولة لأخرى ، إلا أنه يمكن حصرها بصورة عامة في :-
1 - الإجراءات الشكلية والفنية اللازمة لطبع وسك العملة الورقية والمعدنية ، وتشمل وضع تصاميم للإصدارات المختلفة والأشراف على طباعتها وضمان جودتها ووصولها إلى خزائن المصرف المركزي.
2 - التدوين والتسجيل لتبيان المخزون من النقود الجديدة والتي سيتم إتلافها.
3 - مراقبة النقود ودعم الثقة فيها وإتخاذ التدابير اللازمة لمنع تزويرها.
4 - تزويد إدارة العمليات المصرفية في المصرف المركزي والمصارف التجارية وفروعها بكميات النقود اللازمة.

اصدار النقود في الوقت الحالي :
يعتقد البعض أن إصدار عملة ورقية يتطلب توفير غطاء من الذهب والفضة، وهو اعتقاد يجانبه الصواب، إذ ليس ثمة علاقة بين وجود غطاء من الذهب والفضة، وبين قدرة الدول على اصدار ما تحتاجه من عملات ورقية، ذلك أن الذي يعطي العملات الورقية قيمتها، ليس وجود رصيد من الذهب أو الفضة لدى المصارف المركزية التي تصدرها، وهو ما يبدو جليا في الاقتصاديات المتقدمة فعلى سبيل المثال إذا أرادت الحكومة الامريكية مثلا إصدار (طبع) بليون دولار، تقوم وزارة الخزانة ببساطة بإصدار سندات مالية بهذه القيمة، يشتريها بنك الاحتياطي الفدرالي مقابل طباعة ما يعادلها من نقد، (بليون دولار)، وإداعه في حسابها لديه، أو لدى المصارف التجارية، ليتم إنفاقه، دون أن يكون للذهب أو الفضة، أو أي نوع آخر من المعادن والعملات علاقة بالإصدار
اجمالا يمكن القول أن عملية اصدار النقود في الاقتصاديات المتقدمة تتلخص في قيام (البنك المركزي)، بإصدار ما تحتاجه الحكومة من نقد، مقابل سندات تصدرها (وزارة الخزانة)، تتعهد فيها بدفع هذه القيمة بعد فترة من الزمن، وهنا تجدر الاشارة إلى أن هذه العملية لا تتم في الاقتصاديات المتقدمة التي تتمتع المصارف المركزية فيها بنوع من الاستقلالية بمجرد طلبها لارتباط عرض النقد بالتضخم ، وهو ما قد يبرر احتفاظ الدول النامية بشيئ من التغطية على الأوراق النقدية التي تطبعها انظمة إصدار النقد الورقي الإلزامي.

يعتقد البعض أن إصدار عملة ورقية يتطلب توفير غطاء من الذهب والفضة، وهو اعتقاد يجانبه الصواب

هناك العديد من انظمة اصدار النقود إلا أن الشائع منها في الوقت الحالي هو نظام الاصدار الحر من هذه الانظمة ما يلي:-
1 - نظام الحد الأقصى للإصدار: ويتم فيه تحديد كمية النقود المصدرة بسقف معين ، يعرف بحد المديونية يحدد بقانون قابل للتعديل .
2 - نظام الإصدار الحر : وفقا لهذا النظام يقوم البنك المركزي بإصدار النقود دون أي قيود أو شروط ( سواء من حيث كمية الأصدار أو تغطيته من ذهب أو حقوق سحب خاصة ) ، وتتحمل الحكومة مسئولية أي أثار اقتصادية قد تنجم عن التوسع أو الانكماش في الإصدار النقدي ، وهو النظام السائد حاليا في معظم دول العالم ، حيث يترك للمصارف المركزية حرية إصدار النقود بناء على متطلباتها وتبعا للسياسات النقدية
3 - القاعدة النقدية الثابتة : تقوم هذه القاعدة على الاقتراح الذي قدمة الإقتصادي سيمونز في الثلاثينيات من القرن الماضي، والذي ينص على قيام السلطات بتثبيت كمية النقود من خلال التدخل بالعرض النقدي من خلال السوق المفتوحة ، وهو اقتراح لم يلق قبولا من الحكومات ، حيث يفضل السياسيون عادة زيادة كميات النقود للإنفاق العام ، بدل فرض الضرائب المباشر
4 - قاعدة تثبيت القوة الشرائية للنقود : دعى لهذه القاعدة الإقتصادي ارفنج فيشر وتنص على ربط التغير في كمية النقد بالتغير في كمية الإنتاج ، بغية المحافظة على مستويات الأسعار ، يؤخذ على هذه القاعدة أن فترة التباطؤ في فعاليتها قد تمتد إلى سنتين ، مما يؤدي لنسبة كبيرة من عدم اليقين في نتائجها
5 - النقود الأهلية : اقترح كل من توماس جريك في كتابه نهاية المال ومستقبل البشرية ، وفريديريد هايك أن يتم ايقاف احتكار المصرف المركزي لإصدار النقود ، بأن تقوم المصارف التجارية بهذه المهمة، وبالتالي يصبح في البلد الواحد الكثير من العملات التي تصدرها المؤسسات الخاصة ( الاهلية) وهومقترح لم يلق اهتماما كبيرا ويعتريه الكثير من الصعوبات ، ذلك أنه وفي النهاية لا بد أن يكون لعملة ما القبول الأكبر في المجتمع ، وسننتهي إلى نقود ورقية إلزامية
6- قاعدة النمو الثابت : اقترح هذه القاعدة ملتون فريدمان، وتنص على أن يقوم المصرف المركزي بزيادة عرض النقود بنسبة ثابتة تقع بين 3% و5% ، واقترح هذه النسبة بالذات لسببين أولهما يتعلق بالتجربة التاريخية أما الثاني فيتعلق بعدم التأكد الناشىء من استخدام أدوات السياسة النقدية خاصة فيما يتعلق بالتباطؤ وكثرة العوامل المؤثرة في الإقتصاد العام تنتقد هذه القاعدة من منطلق أن الذي يحدد عرض النقود هو رغبة الجمهور والمصارف التجارية في التوسع في الإئتمان ، وقدرة التحكم بهذين العاملين من قبل المصرف المركزي تتسم بالصعوبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عميد كلية الاقتصاد بجامعة طرابلس

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات