Atwasat

دين العنف جهل مقدس

أحمد الفيتوري الأربعاء 23 ديسمبر 2015, 11:12 صباحا
أحمد الفيتوري

إنك لا تستطيع الوصول إلى الهدف غير التقليدي بوسيلة تقليدية، هكذا تبين أثناء الربيع العربي المغدور أن" القوى الناعمة" تستخدم"رأسمالها الرمزي" بطرائق اجتازها شارع"الشعب يريد إسقاط النظام"، لحظتها كان هذا الشارع العربي يرسم بلغة"الجرافيتي" ويغني الراب، أما الفلسفة التي يتعاطاها فهي الواقعية الإجرائية، ولذا شاهدنا عطالة فكرية عند النخبة التقليدية المتحصنة بنظرياتها الجاهزة التي من نتائجها خيبة الآمال التي اجتاحت الربيع العربي ما غدا خريفا أو مجرد مؤامرة إمبريالية.

وعليه انتشرت لغة تبادل التهم بين النخب والشارع الذي خاب أمله في النخب وفي نفسه حتى، لقد انقلب السحر على الساحر فبتنا لا نرى"القوى الناعمة" حتى في الأحلام مع ظهور أن الكابوس حقيقة ظاهرة مجسدة على الأرض وبأيدي الشعب الذي يريد إسقاط النظام، الكابوس الذي تجسد في العنف ما أكل إرادة الشعب الذي يريد الحياة، إرادة الحياة تآكلت مع غيابٍ ظاهرٍ للقوى الناعمة وصمتٍ مُطبقٍ للنخب العربية التي تلهثُ خلف"فرانكشتاين" العرب"داعش" أيقونة الفعل وكسر إرادة الشعب الذي أراد الحياة، وفي هذا الحال ظهر وكأنما مرآة ما بعد الربيع العربي تعكس صورة" فاوست " المثقف العربي، وأن القوى الناعمة العربية قد خاب ظنها في نفسها عقب تعاطي شحنة عاطفية زائدة أثناء لحظة الربيع العربي، اللحظة الاستثنائية في التاريخ العربي الحديث، اللحظة التي كما التحقق للحلم العربي الذي تحول كما الفجاءة إلى دين عنف وعنف الدين، فأمسى العنف مبرر الوجود يتعاطاه الكل كأكسجين ويتعاظم هذا مع استفحال غياب القوى الناعمة وتركها الساحة للغة الرصاص وأساليب الأمن لاستئصال العنف، عُدنا،والعود أحمد، لشعارنا السيء السمعة:"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وبطل هذه المعركة"الزير سالم" من يريد"كليبا" حيا.

مأزق الثقافة عند العرب الراهن أن العنف أمسى ثقافة وقودها ذاتية والجميع مشغول بإطفاء الحريق أولا وأخيرا

وما بعد الربيع العربي تراجعت الثقافة بعد أن كان قبل هذا الربيع قد أعلن عن موت المثقف، وغدت الثقافة الآن وهنا ردود أفعال كما فتاوى وفتاوى مضادة وتفسيرات تدحضُ تفسيرات وفقه الماضي ما ارتهن إليه الجميع، فالماضي غدا مستقبل هذه الثقافة، الماضي والماضي المضاد ولا أفق غير النظر إلى الخلف الذي أصبح المتراس في حروب أهلية كما هي نافورة للدم هي نافورة التفكك والانشقاقات ومرجعتيها أيدلوجيا ماضوية بحتة، قبائل وعشائر وبطون تتجشأ ما خزنته في سالف الزمان.

هذا التوصيف ما تعكسهُ مرآة الراهن فما فعله الربيع العربي تقليب الأرض، الأراضي العربية المترامية الأطراف وهي الصحاري الكبرى التي يصعب ربيعها لكنه لا يستحيل، لأننا لو نظرنا للفعل الناتج عن هذا الربيع فسنجده يهزُ أركان العالم، وما أنتجه مما يسمى"الإرهاب الدولي" يعنى مما يعني أن المسألة الدينية لم تستنفد بعد، وأن الثورة التي لم تتحقق بعد مآلها إلى الإرهاب، الثورة وسيلة عنف للتغيير وما لم يحدث التغيير فإن العنف سيطرد وإن تم قمعه بالعنف، والربيع العربي ما انقلب إلى حروب أهلية في الكثير من بلدان العرب برهان على أن الثورة التي لا تحقق أهدافها تنقلب إلى ضدها كما تحدث التاريخ.

هذا مأزق الثقافة عند العرب الراهن أن العنف أمسى ثقافة وقودها ذاتية، والجميع مشغول بإطفاء الحريق أولا وأخيرا، إنها اللحظة الحرجة التي الأهم والمهم فيها إخماد البركان:
أنا مواطن ليبي من مدينة بنغازي حيث بيت النار، في مهجر قسري لانعدام الأمن وتوفر الموت وحيث المقاومة أيضا، لقد عشت منذ بزوغ الربيع العربي في هذه المدينة اضطرادا للعنف واضطرادا لغياب القوى الناعمة، لقد اتخذ من الكلاشنكوف- كما حصل مع الثورة الفلسطينية- إلهاً، ومن المعركة الصوت، ومن أجل هذا لقي الجميع الدعم العربي للتزود بزاد الكلاشنكوف والمعركة التي حوصرت وانحسرت في قتال شوارع بل وبيوت في أجواء جبانة بمعنى الكلمة.

وقد قدمت إليكم للتفكر في هكذا مسألة أن الثقافة العربية ومحنَها تُهيمن علينا وتفعل فعلها فينا، فالعُنف المُهيمن الساعة تعبير شائن عن هذه الثقافة لكنه في نفس الوقت تعبيرٌ عن إرادة الشعوب في الحياة، وأينما قلبت الأمور في مدينة كبنغازي مثلا فإنك ملاقٍ هذا: هيمنة فادحة للعنف وتوق ظاهر لدورٍ غائب.

ما دور القوى الناعمة في هكذا حال؟، هل من صوت يعلو على صوت المعركة أو على الأقل يواكب؟، هل من سبيل آخر أو إضافي لمواجهة المسيرة التي طالت من نكبة إلى نكسة إلى نكبة؟، هل أن ما بعد الربيع العربي بالضرورة خريف لا مناص منه، وإن صار الربيع خريفا أليس من مقتضى الحال التعامل مع ما استجد بوسائل مستجدة؟.

لقد ألهب الربيع العربي الشعور ولم يلهب العقول لسان حال الكثير منا، فإن لم يلهب العقول فألا تلهبها النيران المندلعة في البيت العربي جملة هذه المرة من" تطوان حتى عمان".

ولقد كان الشارع العربي السباق وكانت النخبة في ذهول وهذا من طبائع الأمور في الحال الحاصل، خاصة وأن هذه النخبة قدمت الكثير من أجل أن يحصل ما حصل، فالربيع العربي مفاجأة القرن الحادي والعشرين وإن كان مآله ليس مستحدثا بالمرة في حال الثورات التي كثيرا ما هوت في حروب أهلية، فالعرب لم يستحدثوا الثورات ومآلها ولكن عربوها فقط، ولهذا لا بد من وسائل ومبادرات مُستحدثة للاندماج ولمواجهة هذه المستجدات، وسائل صغرت أم كبرت فالحروب يشعلها الشرر ويطفئها رذاذ المطر، لكن ما تحدثه حينها كبير ونتائجها أكبر، وكما تواكبها قوى النيران تكون في المواجهة والواجهة القوى الناعمة، ولقد ساهم المجتمع المدني وانبثق في الربيع العربي وبادر ونما فيه، وقدم مجهوده الاستثنائي ما بحاجة للبحث والدراسة واستنباط الأفكار منه، وقبل كان للشباب الذين هم أغلب سكان بلاد العرب الدور الأبرز، وهم الساعة وقود العنف والحروب، ففي ليبيا مثلا قد ينقرض مواليد التسعينات، وهؤلاء الشباب استحدثوا قبل وفي الأيام الأولى للربيع العربي طرائق للقوى الناعمة، ليس منها فقط ما أشرت إليه من استحداث لغة"الجرافيت" وغناء"الراب"، بل منها ما أشير إليه حينها من استحداث توظيف الوسائل الإلكترونية والنت ووسائط التواصل الاجتماعي الإلكتروني كالفيس بوك والتويتر، لقد ظهر أن للثقافة سبلا ووسائل مستحدثة، وخطابا حداثيا في علاقة جدلية بهذه الوسائل التي أيضا أججت العنف الذي يبدو كما نازيةٌ جديدة دينها العنف وقوميتها الدين.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»