نأمل أن تستقر ليبيا وتلملم شملها، وهذه ليست بأمنية، بل هي مطلب شعبي أتلمسه شرقًا وغربًا وجنوبًا في بلادنا المنكوبة. ولكن هنالك محطات لا يمكن اجتيازها باستهانة وكأن الموضوع تأسيس شركة أو بناء وحدات سكنية يمكن أن يتلاعب المنفذون ببنودها أو حتى عدم تنفيذها على الإطلاق واستلام ميزانيتها بالطرق الليبية التي تعودنا عليها! الأمر يختلف هنا 180 درجة. يعني العالم يشاهد ويشارك معنا أيضًا في هذه الخريطة الصعبة والمتشبعة والمليئة بالألغام الفكرية الشاذة.
التصويت على المسودة بالتوافق من قبل البرلمان لا يعني أن الطرف الآخر سيوافق عليها ولا يعني أيضًا أن حكومة توافقية ستولد قريبًا
فعلى سبيل المثال، وحسب ما فهمته من الصحف الغربية، إذا فشل الحوار فدول غربية كبرى سوف تفتح اتصالاً مباشرًا مع القوة الحقيقية على الأرض والتي تشمل الجيش الليبي الشرعي بقيادة حفتر والميليشيات بمختلف أطيافها للوصول إلى اتفاق واقعي لتسيير الحياة اليومية في ليبيا مرادها محاربة الإرهاب «داعش» ولتأمين حدود الدولة بعيدًا عن المؤتمر اللاشرعي والبرلمان الضعيف! ولكن إشكالية المستجدات على الساحة اليوم وبعد تعديل البنود من قبل البرلمان والتوافق عليها، نجد منابر عديدة تعارضها صراحة وتفسّرها كعودة للتيار الإسلامي من الباب الخلفي بفرش أحمر برعاية دولية!!
لذا نجد من ينصح بعدم الانصياع أو الانجرار نحو السراب نظرًا إلى أن المخطط هدفه إضعاف المنطقة الشرقية وإقحامها في فوضى عارمة، وعليه فالتصويت على المسودة بالتوافق من قبل البرلمان لا يعني أن الطرف الآخر سيوافق عليها ولا يعني أيضًا أن حكومة توافقية ستولد قريبًا. فالتركيز على تسيير الحياة اليومية من قبل حكومة الثني بعين ودعم الجيش الوطني لإنهاء مهمته بعين أخرى هو أهم من النتائج المرتقبة، وليس قريبًا حيال حكومة التوافق. إضافة إلى أن اللعب بمقدرات الجيش الليبي الشرعي هو بمثابة حق شرعي للجيش أن ينقلب ويحكم بالقوة إذا كان من نوايا المسودة الرابعة نسف المؤسسة العسكرية المنبثقة من البرلمان الشرعي!
التجربة تتحـدث
لا أرغب في أن أكون متشائمًا، ولكن عندما توقفت على محطات تاريخية تتعلق بالمفاوضات والحوار وجدت لبنان تخطت الـ 200 مسودة حتى وصلت للطائف! كذلك اطلعت على تغريدة للمفكر عزمي بشارة يسرد فيها رأيه حول الشأن الليبى فيقول: «منذ وردت أخبار تعثر المفاوضات بين الليبيين وتلك الدائرة بين اليمنيين في جنيف وأنا أحاول أن أتذكر متى اتفق مندوبون عن أطراف متصارعة في دولة عربية على حل وسط، متى نجحوا في التفاوض وفي المساومة لحقن الدماء وحفظ الأوطان ولكي يتمكنوا من إجراء التغيير بالطرق السلمية بحيث تقبل نخبة سياسية نخبة أخرى تختلف معها، ويحددون سوية شكل السلطة ويشاركون فيها أو يتداولونها سلميًا.
متى حصل ذلك آخر مرة؟ لا أذكر للأسف. آه... ربما في تونس. ولكن لا أذكر مثالاً آخر. ثمة مراحل تاريخية تُمتَحن فيها القيادة السياسية بموجب قدرتها على المساومة وإيجاد حلول وسط، والتوصل إلى التسويات التي تحفظ البلاد والعباد والأوطان، وتهيّئ سبل التغيير التدريجي السلمي.
دولة القانون أولاً.. «الذاكرة»
خطاب زوارة عام 73 عطّل فيه القذافي القوانين في ليبيا وسيطر بعد ذلك على الحكم قرابة نصف قرن إلى حين انفجرت ثوره 17 فبراير 2011، ومنذ بداية ثورة 17 فبراير ومن بنغازي عمل التيار الإسلامي مبكرًا من تحت الطاولة بانقلاب ناعم ويبدو بتنسيق مع دول أخرى لزرع المؤسسات الأمنية الموازية بغية ضرب وهدم كل شيء يرمز إلى دولة مدنية «دوله القانون»، وقد نجح الإسلاميون المتطرفون في ذلك المخطط الخسيس بهدم مراكز الشرطة وهدم المحاكم والجوامع واغتيال كل من يرغب في إعادة بناء المؤسسة العسكرية وأغرقوا بنغازي وليبيا في الظلام!
وفعلاً مع قدوم خليفة حفتر وإعلانه عن عملية الكرامة سرعان ما اكتشفت المؤامرة ومنها بدأ التيار الإسلامي يتخبط ويترنح ويضيق به الحال وفشل في استعمال جميع الحيل لكي تنجح أسطورته الفاشلة «الإمارة الإسلامية»، وكانت حينها الفاجعة الحقيقية للشعب الليبي هي القاعدة وداعش بتواجدهما على الأراضي الليبية بسبب هذه الزمرة الفاسدة.
المهم يبدو أن من يلغي القانون ويحاربه سيضمن حكم ليبيا.. نجح القذافي وفشل الإسلاميون بعد 17 فبراير!! واليوم لا مجال أمامنا إلا دعم دولة القانون ومساندة جيشنا الوطني الذي يعاد بناؤه كضمانة لمستقبل لدولة مدنية في ليبيا خالية من التطرف والعقلية الإجرامية بجميع أشكالها.
تصّحر الوطـن
فعلاً وفي ظل هذه الأجواء الشائكة والمؤلمة التي يمر بها التراب الليبي وما آلت إليه المعطيات على اليابسة من فتن ومؤامرات واستباحة العباد ومقدرات الديار، علينا أن ندرك جميعًا أن الوطن يمر بحالة عطش قاتلة للعدالة والحرية والأمن والاستقرار، وهو بحاجة لضمير يخاف الله ويحترم الأصالة الليبية ومكوناتها الثقافية والاجتماعية والجغرافية.. حتمًا ليبتعد عن الصراعات اللاهوتية المرهقة، حتى يتسنى للجميع المشاركة في بناء وطن يسع الجميع بعيدًا عن الشماتة والطمع الإقليمي والدولي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات