برامج «التوك-شو» العربية بعد المونديال ليست ناقلًا للحدث الكروي، بل هي الحدث الثاني الذي يُبنى فوق الأول ويكاد يبتلعه. ولا شك أن مصر، قطب الإعلام العربي، تمثل نموذجًا خصبًا لتحليل هذه الظاهرة.
وقد يبدو استدعاء نموذج «ياسمين عز» في سياق كروي مستغربًا للوهلة الأولى، لكنها تمثل التجسيد الأوضح والأكثر فجاجة لتحول المذيع من ناقل للحدث إلى صانع له.
فما تفعله «الآنسة ياسمين وعمرو أديب، وغيرهم طبعًا» في الحقل الاجتماعي عبر تسليع الجدل واحتكار المشهد لخدمة نجوميتهم الشخصية، هو ذاته الـ«DNA» الذي تعمل به هذه البرامج. الفارق فقط في نوع البضاعة المعروضة؛ هناك - في حالة الآنسة عز - صراع جندري مصطنع - مثلًا - وهنا مع المونديال - كمثال أقرب - فخر وطني كروي، لكن ماكينة الاستحواذ واحدة.
وعلى الرغم من تركيزنا على المثال الأقرب لنا، إلا أن هذه الظاهرة ليست استثناءً محليًا، بل واقع عالمي يعكس طبيعة التلفزيون نفسه. ففي أميركا وأوروبا، تمارس برامج «التوك-شو» السطوة ذاتها، محولةً الأحداث الكروية إلى سرديات تجارية، مما يؤكد على أن هيمنة «اقتصاد الفرجة» هي القانون الحاكم لآلة الإعلام المرئي في العالم أجمع.
ولنفهم قوة هذه البرامج الحقيقية، يجب أن نبدأ من بنيتها، وآلياتها، ومصادر سطوتها، ونستدعي الفرنسي بيير بورديو بالذات، حيث يضيء مجالنا، خاصة عبر كتابته عن التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول.
التوك-شو كمؤسسة سلطة
البرامج المسائية في المشهد العربي (المصري بالذات) تجاوزت وظيفتها التقنية (تقديم محتوى) لتصبح مؤسسة نفوذ قائمة بذاتها: لها جمهورها الثابت الذي يتعامل معها كمرجعية يومية.
ولها مقدمها/مقدموها الذين راكموا عبر السنين رأسمالًا من الثقة والألفة، يجعلهم أقرب إلى «زعيم رأي» منهم إلى إعلاميين، ولهم شبكة علاقاتهم الممتدة داخل الأندية والاتحادات وحتى دوائر القرار العليا أيضًا.
حين يرفع المذيع سماعة الهاتف على الهواء ويحصل على تصريح من «محمد صلاح أو عادل إمام أو شيرين عبد الوهاب في عز الجدل حولها» وفي منتصف الليل، فهذه ليست مجرد صحافة، هذا استعراض قوة، رسالة للجمهور وللأوساط معًا.
هذه القدرة على الوصول هي عملة البرنامج الأثمن، وهي ما يتسابق عليه الجميع بعد المونديال: من «يملك» «الضيف-اللاعب» أولًا يثبت أنه الأقوى.
ما بعد المونديال: ماكينة تعمل بأقصى طاقتها
راقب ما يحدث فعليًا في الأيام التالية للتمثيل المشرف: البرنامج يحول نفسه بالكامل إلى معرض للأبطال.
الحلقة تُبنى كطقس متكامل: دخول اللاعب وسط تصفيق الاستوديو - إن وجد جمهور - اتصال مفاجئ من والدته، مع بث «كواليس ما لم نشاهده»، ثم سؤال الختام المحفوظ: «رسالتك للناس (للشعب)؟».
هذا القالب ليس بالعفوي؛ هو منتج مصمم بدقة لتحويل الفرح الوطني إلى حلقات قابلة للتقطيع والانتشار على المنصات، حيث كل مقطع «إحساس اللاعب أو رد فعله أو حكايته عن موقف سابق» يساوي ملايين المشاهدات المعاد تدويرها.
البرنامج هنا لا يغطي الاحتفال، هو يتملك الاحتفال ويديره ويوزعه على أقساط طوال أسابيع: اللاعبون فرادى، ثم المدرب، ثم الجهاز الطبي، ثم العوائل، في سلسلة استنزاف منهجي لكل قطرة من اللحظة.
المذيع النجم: الوسيط بطلًا
الظاهرة الأكثر مفارقة داخل هذه الماكينة أن المقدم/المذيع نفسه يستثمر اللحظة لبناء مجده الشخصي.
جلوسه بجوار «البطل الوطني» يمنحه شراكة رمزية في الإنجاز والبطولة: صورته مع الهداف تتصدر، عبارته الاحتفالية تتحول إلى «تريند»، ومكانته التفاوضية أمام قناته والمعلنين تقفز. نحن نحفظ «أفيهات» عمرو أديب أكثر من إجابات شوبير الخجولة.
بل إن بعض المقدمين يتحولون فعليًا إلى فاعلين داخل اللعبة: يتوسطون في انتقالات، يلمعون مرشحين لرئاسات الأندية، يشنون حملات أو يطفئونها.
هنا بالضبط تصلح ملاحظة بورديو عن الصحفيين الذين تحولوا من شهود على الحقول إلى حكام عليها، لكن الحالة العربية تتجاوز هذا الوصف: المذيع عندنا ليس حكمًا فقط، بل لاعب يمتلك أسهمًا في مباراة لم ولن يشارك فيها.
اقتصاد التوك-شو: الفرح والغضب صفقة العمر؟
الهياج الجماعي بالفخر أو الغضب والحزن هو ذروة الموسم التجاري للتوك-شو. المعلن سيدفع أضعافًا ليظهر بجوار البطل، والقناة وفقًا لهذا تعيد جدولة دورتها كاملة، والحلقات تمتد ساعات إضافية.
والصفقة مربحة لكل أطرافها: البرنامج يحصد المشاهدات، واللاعب في ذروة قيمته السوقية يحصد العقود الإعلانية والشهرة، والقناة تحصد المعلنين، والجمهور يحصد امتداد نشوته.
الخاسر المؤجل لا يجلس معنا على الطاولة: المنظومة الكروية نفسها، التي تستهلك لحظتها الذهبية في الاستوديوهات بدلًا من أن تُستثمر في البناء.
وهذا ما يجعل حياد الآلة مخيفًا: نفس البرامج بنفس الوجوه كانت جاهزة بديكور المحاكمة لو خرجت مصر مبكرًا، الفرح والغضب عندها منتجان من خط إنتاج واحد، والفارق في التغليف فقط. هل تحتاج للتذكير بمباراة السنغال في الكاف بالمغرب؟
التسابق: قانون القطيع ودأب المنافسة
لماذا تستضيف كل البرامج نفس اللاعبين بنفس الأسئلة؟ لأن منطق المنافسة بينها ليس «من يقدم الأعمق»، بل «من لا يمنع الآخر من اختمار اللحظة».
ما إن يظهر «النجم» في برنامج حتى تشتعل هواتف بقية البرامج خلفه وخلف زملائه، فتنتج عشرات الساعات المتطابقة.
بورديو يسمي هذا بـ«التداول الدائري»: الصحفيون يراقبون بعضهم، فينسخون بعضهم، والمنافسة الشرسة تنتج تجانسًا تامًا. لكن في حالتنا يضاف بُعد محلي: التسابق نفسه يصبح مادة للعرض؛ البرامج تتفاخر علنًا بـ«أول ظهور» و«الحوار الحصري»، فيتحول السباق على الضيف إلى جزء من الفرجة، ويُقاس نجاح البرنامج بعدد النجوم الذين «خطفهم» لا بما قالوه فيه.
إنها «الأوديمات» أي (نسبة الإقبال والرواج)، وهي الإله الخفي الذي يهيمن على الرعي بلغة بورديو.
سطوة السردية: برامج تكتب التاريخ الكروي
أخطر ما تملكه هذه البرامج ليس المشاهدات، بل حق كتابة الرواية الرسمية للإنجاز. الاستوديو هو من يقرر: من البطل الأول؟ من صانع المعجزة الحقيقي؟ أي لقطة تصبح أيقونة الجيل؟ ومن يُنسى على الرغم من دوره؟
هذه السردية التي تُصاغ في أسبوع الاحتفال هي التي ستُستدعى في كل نقاش كروي لسنوات، وهي التي تحدد أسعار اللاعبين ومصائر المدربين ومواقع المسؤولين.
وبلغة بورديو، هذا «عنف رمزي» في أنعم صوره: فرض رواية مصنوعة وفق حسابات النفوذ، يتبناها الجمهور بوصفها فرحته الخاصة، ولا يقاومها أحد؛ فمن يجرؤ على تفكيك حكاية ترفع فيها راية الوطن؟
لحظة الفرح تحديدًا هي لحظة تعطل المناعة النقدية، ولذلك فإن ما يمرر خلالها من تلميع وأجندات وإعادة تأهيل لوجوه كانت مطلوبة للمساءلة، يمر بلا مراجعة نقدية. تأمل كيف تفنن مقدمو «التوك شو» في الهجوم على منتقدي مدرب المنتخب المصري، ذلك أن حماية السردية تحصين للسلطة؟
والنتيجة؟ لعبة تُدار من الاستوديو
عبر هذه السطوة ينزاح مركز الثقل في الكرة المصرية فعليًا: اللاعب يبني نجوميته في الاستوديو بقدر ما يبنيها في الملعب، والمدرب يقيم بقدرته على «إدارة الإعلام»، واتحاد الكرة والمسؤولون يتخذون قرارات استباقية اتقاءً لحملة محتملة، والموهبة الصاعدة تتعلم مبكرًا أن طريق المجد يمر من «كنبة الضيوف».
الحقل الرياضي، بتعبير بورديو عن الحقول، فقد جزءًا من استقلاليته وصار يُحكم بقوانين حقل آخر. لكن يجب قول الحقيقة كاملة: هذا لم يحدث لأن التلفزيون «غزا» الكرة عنوة، بل لأن هشاشة المؤسسات الكروية - كما السياسية غالبًا - تركت فراغ سلطة، والتوك-شو، ككل قوة براغماتية، تمدد حيث لا مقاوم.
قوة برامج التوك-شو ليست في الميكروفون والكاميرا، بل في احتكارها لثلاث وظائف دفعة واحدة:
• هي السوق الذي تُسعَّر فيه لحظة الفرح الوطني.
• وهي المحكمة التي توزع البطولة واللوم.
• وهي المؤرخ الذي يكتب الرواية.
وما دامت هذه الوظائف الثلاث في يد واحدة مصلحتها في الضجيج لا في البناء، ستظل كل لحظة كروية عظيمة، فرحًا كانت أم حزنًا، وقودًا يُحرق في استوديوهات المساء، ثم يُطوى الملف بانتظار الحدث الكبير التالي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات