أحيانًا سيُعد من الحماقة مجرد انجرارك الأعمى خلف أحلامك، والتي مهما بلغت فتنتها من الإغواء، سوف يتعين عليك التريث لبعض الوقت، مع شيء من الحذر إزاء خداعها، وبالأخص عندما تنفصل تمامًا عن الواقع. فليس في كل الأحوال يمكننا الوثوق بما تفترضه الأحلام من تخيلات وردية، قد تتحول إلى سلسلة من الكوابيس.
والآن إليكم هذه الحكاية: حدث في يوم ما أن هيأ لي خيالي النشيط بعض ما يقترفه الفقراء من أوهام اليقظة؛ حين تخيلت بأنني وأسرتي نقطن بيتًا جميلًا في البراري، تحيطه بساتين غناء بأشجارها وأزاهيرها الخلابة، وكل ما تجود به الطبيعة البكر من سحر جمالها الفتان. سحر تحفه الطمأنينة من كل جانب؛ حيث الخضرة والسكينة والبهاء النقي، بعيدًا عن ضجة العاصمة وصداعها اليومي. هذا الخاطر كان بالنسبة لي أكثر تطلبًا من مجرد حلم يتكرر.
ربما ما حفز أحلام يقظتي هنا أن شقتي الضيقة تقع في بناية شبه متهالكة، تطل نوافذها الرثة على شارع «أبوالعلاء المعري» من جهة البحر الذي حجبته بنايات موازية. شارع يكتظ ليل نهار بضوضاء محطة الحافلات، وجلبة الباعة المتجولين، وضجيج حركة السيارات. ناهيك عن شح المياه وتلوثها، وغياب الأمن، وقد بدا المكان مرتعًا خصبًا للمتشردين، والغرباء الذين يأتون من كل حدب وصوب.
وبذا لم يعد الفرد آمنًا على نفسه، ولاسيما في الليل. لهذا تضافرت كل المحرضات لتكريس خيال بالغ الثراء في وضع معيشي شديد البؤس والفاقة. صحيح أن تأثيث حلم صغير في عالم متعسر سيعد ضربًا من المستحيل بالنسبة لموظف محدود الدخل من فئة الدرجة الخامسة. ومع ذلك ظلت مخيلتي أكثر تعلقًا بتلك المفاتن التي يضمرها بيت متخيل في البراري.
وهكذا تدبرت بطريقة عجيبة ثمن قطعة أرض صغيرة بضاحية ريفية متاخمة لطرابلس؛ بعد أن أخذت قرضًا على الراتب، واستلفت من الأصدقاء والأقارب، وتحايلت على مصروفنا اليومي؛ لنمر بفترة مضنية من الفاقة والتقشف والضنك وسوء الحال. وبعد لأي انتقلنا إلى بيتنا الريفي الصغير، الذي لا تتجاوز مساحته تسعين مترًا مربعًا؛ وقد اكتملت المرحلة الأولى من بنائه بأعجوبة تشبه حكايات الأساطير. استغرقت قرابة تسعة أشهر ريثما تدبرت تأمين البلاط والشبابيك، وباب رئيس، وآخر للحمام. وأقمنا أنا وأفراد أسرتي الصغيرة كيفما اتفق الحال.
اشتريت عشر دجاجات لتوفير البيض واللحم، وزوجي حمام، لاستعادة مرح الطفولة الضائعة، وربما طمعًا في تكاثرها وبيع بعضها كلما دعت الحاجة. صحيح أنني حظيت بجيران طيبين، وصحيح أيضًا بأنني في أول الأمر قد ابتهجت كثيرًا بخلوتي المحلوم بها؛ ولكن، لأمر ما، لم يكن الريف هو نفسه الذي صنعته الأحلام، لأن فرحتي لم تدم طويلًا. ربما لأن عادات الريف تقتضي أن أكون على صلة دائمة بجيراني الطيبين، مطالبًا برد الزيارة لمعظم سكان القرية، الذين توافدوا جماعات وفرادى قصد المباركة والتعرف عليّ كجار جديد، وأيضًا ليمطروني بأسئلتهم الفضولية عن أصلي وفصلي وقبيلتي وطبيعة عملي التي لم ترق لهم.
وبذا أمسيت مستنفرًا، وعلى نحو يومي، للترحيب بضيوف في أوقات لا ضابط لها. فإذا ما انشغلت بترميم حظيرة الدجاج، أو الحمام، أو إصلاح هوائي التلفاز، أو معالجة مضخة المياه، فلن تمر بضع دقائق حتى يتقاطر علي الجيران بدعوى عرض المساعدة، مع ديباجة مكررة صرت أحفظها عن ظهر قلب، تمجد أدبيات الجيرة التي توصي بسابع جار. لتبدأ رحلة أكواب الشاي وفناجين القهوة، وتجاذب أطراف الحديث حتى وقت متأخر.
وبالمقابل كانت المناسبات الاجتماعية لأهل القرية لا تتوقف عن الدوران بين الأعراس والمآتم والمرض وحوادث المرور، والتي يصعب تغطيتها بالنسبة لشخص عليه أن يتفقد بين وقت وآخر مكتبته المنزلية، ودفاتره وأوراقه.
وإزاء هكذا تقصير لا يغتفر، عبر جيراني الطيبون بطريقتهم الخاصة عن نفورهم مني ومن أسرتي، ولم يقف الأذى عند هذا الحد؛ بل إن بيتنا الصغير لم يعد في مأمن من الأذى. فما إن نغادره لأي سبب من الأسباب حتى يكون عرضة للسرقة والتخريب.
وأمست معاناتنا أكثر مشقة عندما عجزت سيارتنا الخردة عن حملنا، ولم يعد في وسعها مواصلة الرفقة؛ فتكبدنا جراء ذلك الأمرين، لتضطرب علاقتي بوظيفتي، كذلك انتظام أطفالي بمدارسهم. حيث يندر في الريف الليبي المتاخم للعاصمة أن تمر سيارات الأجرة، أو أي صنف من وسائل نقل الركاب، بشقيها العام والخاص. وهكذا تحولت مسألة جلب الخبز من الفرن إلى معضلة.
وإزاء هكذا أحوال متردية وسيئة فقدنا راحة البال، وساءت أوضاعنا المعيشية والنفسية. لهذا وذاك كان لا مناص من التخلي عن سكنى الريف، الذي لم يعد ريفًا، لنتركه غير آسفين بعد انقضاء ست سنوات عجاف، لم ننعم خلالها كما كنا نحلم بذلك الجو الرومانسي.
نسيت أن أذكر بأن دجاجاتي العشر قد التهمتها كلاب جيراني الطيبين، وأن من اقتحموا بيتنا الصغير في غيابنا سرقوا جهاز التلفزيون، وكل ما استطاعوا حمله من معدات منزلية وأغراض معيشية. فكانت آخر خسائرنا: أسطوانة غاز الطهي، وإطار سيارة، وبضعة بطاطين جديدة، إضافة إلى دراجة طفلي الهوائية. لذا بعنا منزل البراري بنصف ثمنه، ولذنا مرة أخرى بطرابلس التي فقدناها إثر نزوة حلم طائش. وكانت تلك حماقة بالغة الطرافة والتطرف.
صحيح قد لا تعترف بك طرابلس بوصفك كاتبًا أو أديبًا؛ لكنها، رغم كل مثالبها، سوف تهبك بعض الخصوصية، ولن تحول بينك وبين مكتبتك. هنا يكمن الفارق.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات