لا علاقة للعبودية لا باللون ولا بالجنس ولا حتى بالرق، فالعبودية شيء كامن في ذهن الإنسان، شيء يهوي به في القاع وإن كان شريف الأصل، والشرف أيضا شعور داخلي يعلو بالمرء فوق القمم، وإن كان أصله نبتة بيعت في سوق النخاسة.
فها هو عنترة بن شداد خير مثال على ذلك، رجل أسود البشرة من أم حبشية، أمه أمة سوداء، أنكر أبوه نسبه بادئ الأمر، ازدراه قومه بسبب هذه المكونات جميعا، لكن دماء الشرف التي تجري في عروقه، وفكرة السيد التي تسيطر على عقليته، أبت عليه أن يستسلم لهذا الواقع المرير، وظل يدافع عن كونه سيدا بالطبيعة حتى انتزع من قبيلته، بل ومن العرب جميعا، وعبر امتداد التاريخ، وبالقوة، سيادته وشرفه ونسبه، وخاض في سبيل ذلك معارك حامية الوطيس، ليؤكد حقيقة مفادها أن الحقوق لا تُعطى وإنما تُنتزع انتزاعا.
وفي المقابل، فإن هناك الكثير من الناس ممن سرى في عروقهم فيروس العبودية، وعشعشت في وجدانهم فكرة الدونية، تراهم يحنون لأصلهم الذي يذكرهم بأنهم رقيق وإن علت بهم في الظاهر مراتب، أو اعتلوا بعض الكراسي والمناصب، لتظل في داخلهم عقدة نفسية تنغص عليهم فكرة الاستمتاع بما هم فيه، فهم كمن اعتاد على أن يرتدي لباسا ما طيلة حياته، فعرفه الناس به، وصار ذلك اللباس سمة غالبة عليه.
ثم إنه بسبب تغير حاله غيّر ملابسه، فصار يرتدي نوعا آخر من الملابس، لكنه وقف أمام نفسه في المرآة فأنكرها، ثم إنه عندما خرج للناس بلباسه الجديد شك في نفسه وارتبك وتعثر في خطواته؛ ظنا منه أن الناس يرقبونه، وينكرون عليه لباسه الجديد هذا، مع أنه يقف أمام أناس جدد لا عهد لهم بماضيه، والحقيقة أن الناس في شغل شاغل عنه، لكنها العقدة الساكنة في داخله تنغص عليه حياته.
إن هذا النوع من الناس لا يصلح أن يكون سيدا ألبتة، فالسيادة ليست منصبا يعتليه المرء، وليست مكانة يتبوؤها قسرا على عكس مجريات سنن الكون، بل هي نبل داخل الإنسان، يرقى به في مراتب الشرف وإن كان في نظر الناس غير ذلك، ويعلو به في منازل العز وإن عمي الخلق عن هذه الحقيقة.
إن هذا النوع من الناس وإن تظاهر بالشرف، وأنه يجيد لباس ربطة العنق ووضع المراهم على شعره، كي يبدو للناس ناعما لامعا، فإنه في حقيقة الأمر ينزعج من الشعور بالخسة والوضاعة الذي يلازمه، ويرى نفسه في المرآة، بل والأدهى من ذلك في عيون الناس، أشعثَ أغبرَ موحشا في القبح، موغلا في الدمامة، حتى يتحول هذا الشعور في داخله إلى ما يشبه الفوبيا، التي تجعله يهاجم الناس بلا سبب إلا لظنه أنهم يرونه أشعث أغبر عبدا حقيرا، وليس كما يريد لهم أن يروه، والحال كما قلنا سابقا أنهم لا ينظرون إليه في الحقيقة أصلا لا بهذه الصورة، ولا بتلك.
يحكى أن هناك رجلا كان ينتابه شعور بأنه مجرد حبة قمح ليس إلا، وأنه كلما رأى طائرا أو دجاجة انتابته نوبة من الخوف الشديد ظنا منه أن هذا الطائر أو هذه الدجاجة سيقومان بأكله، وعندما اشتدت عليه الحالة عرضوه على طبيب نفساني، وبعد أن أمضى فترة في المستشفى، وقام الطبيب بعلاجه، أراد الخروج من المشفى والعودة للبيت، وقبلها أراد الطبيب إجراء اختبار له، فجلس معه وقال له: أخبرني ماذا ترى نفسك الآن؟ إنسانا أم حبة قمح؟ فضحك المريض قائلا: إنسان يا دكتور بطبيعة الحال، فقال الطبيب: وحبة القمح؟ فضحك المريض مرة أخرى وقال: تلك قصة قد مضت، وقد عافاني الله منها، والفضل لكم يا سيادة الطبيب.
هنا اطمأن الطبيب، وأراد أن يأمر بإخراج المريض من المستشفى، لكنه أراد أن يجري له اختبارا أخيرا، فعمد به إلى حظيرة الدواجن، وما إن رأى المريض الدجاج حتى صرخ وانكمش على نفسه، وتمسك بتلابيب الدكتور حتى يحميه من الدجاج، حتى لا يأكله. هنا استغرب الطبيب واندهش، وسأل المريض: ألم تقل إنك الآن ترى نفسك إنسانا وليس حبة قمح؟ ألم تقل إن قصة حبة القمح هذه قد مضت وولت؟ فرد المريض قائلا: يا دكتور أنا مقتنع الآن بأنني إنسان، ولكن مَن يقنع الدجاج بأنني لستُ حبةَ قمح!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات