«إن الفنان مدفوع بحكم الضرورة إلى أن يعبر عن أفكاره، وأن يصور خيالاته ويعطي شكلاً لأوهامه، ويسكب الألحان التي تنساب في نفسه» خليفة التليسي.
يعتبر الكاتب المتنوع المشارب خليفة التليسي رائداً في كتابة المقالة في حركتنا الثقافية والإبداعية، والمقالة الأدبية تحديداً التي جاب بها آفاقاً رحبة في الأسلوب والمعالجة والخطاب منذ بداياته في مستهل النصف الثاني من القرن الماضي، حيث أدلى مبكراً بآرائه في العديد من القضايا النقدية والإبداعية الراهنة آنذاك والتي ما زالت نابضة حتى يومنا هذا، معتمداً على حصيلته المعرفية ورؤاه التي تتجاوز زمنها، ولأنه يضع كل الكتابة الإبداعية تحت مسمى الفن، مثلت مقالاته رسائله المقتضبة تجاه ما يشغل الثقافة عموماً والفن بوجه خاص في تلك المرحلة المهمة التي عاشها وعايشها عبر جدل لا ينتهي بين تكوينه الذاتي وتشكل الكيان الوطني بأسئلته وأجوبته المقترحة.
تنعكس كل هذه الهواجس جلياً وعبر بصيرة ثاقبة في كتابه «رحلة عبر الكلمات» الذي جمع فيه العديد من مقالاته المختارة، وأركز في هذه المقاربة على هذا الكتاب لعدة أسباب، أهمها؛ كونه يغطي مرحلة زمنية مهمة تمتد لأكثر من عشرين عاماً (ما بين 1951م و1972م) بكل ما تعنيه هذه المرحلة من كثافة في ذاكرة الثقافة الليبية إبان التأسيس لكيان سياسي مشغول بهموم الهوية والمستقبل قبل كل شيء، وفي الوقت نفسه تمثل هذه المرحلة المرآة لتطور أسلوب ومعالجة وخطاب المقالة الأدبية لدى التليسي الذي يعتبر الأديب مؤرخاً والعكس أيضاً.
والسبب الثاني يعود إلى أن المقالات المختارة تتناول إشكاليات مختلفة تعكس تأملاته النقدية حيال العديد من المسائل والمفاهيم التي تشغل قلمه الشغوف بالحوار والمعرفة في فنون الشعر والسرد، وعلاقة الفن بأنا منتجه وبالمحيط، وملامسته لأعمال العديد من الكُتاب العالميين والعرب والليبيين، ونقاشه لبعض الإشكاليات التاريخية عبر عرضه لبعض المؤلفات. والسبب الثالث يتمحور حول ما ذكره في مقدمة هذا الكتاب عن كون «مجمل هذه المقالات تعبر عن بعض ملامح أدب المقالة والدراسة في بلادنا، ضمن المرحلة التي تقطعها حركتنا الأدبية».
وسأحاول أن أتطرق في هذه المقاربة إلى التشكل المعرفي، أو ملامح من السيرة الذهنية للكاتب خليفة التليسي، قبل وأثناء هذه التجربة والتي أسهمت بشكل واضح في تبيين ملامح ومضمون وأسلوب المقالة لديه، ومن ثم سأحاول أن ألامس مفهومه للمقالة الأدبية، سواء عبر آرائه المباشرة أو من خلال أساليب الكتابة لديه، معرجاً على فن كتابته للمقالة عبر استكناه المشترك فيها من خلال اللغة والبنية الإنشائية والخطاب.
بدأت علاقة التليسي بالقراءة والمعرفة عبر المدارس الإيطالية والعربية طالباً ومُعلماً، وستنعكس هذه التنشئة الذهنية المزدوجة ثقافياً ولغوياً على اهتماماته التي تتراوح بين انتمائه الوجداني للتراث العربي شعراً ونثراً، وبين انتسابه الواعي إلى الأدب الغربي، الإيطالي خصوصاً، معتمداً على ذائقته الشخصية ووعيه النقدي تجاه العديد من المسائل الفنية ذات الملمح الإنساني، وهو دأبٌ يجعله يقر بانتمائه إلى ما يسمى «النزعة الإنسانية» أو «روح الهيومانيست» والتي ترجع بذورها الأولى كما يقول إلى والده الأمي.
وهي النزعة التي تلتقي فيها كل المذاهب الفنية والفكرية مع رحابة في الأفق وتسامح مع الضعف البشري يجعله قريباً من نموذج المتصوف، أو كما يُصرح في هذا المنحى تحديداً: «أنا أعتقد أن مجموع أعمالي وتركيبتي الشخصية تجعلني قريباً جداً إلى هذا النموذج ــ الهيومانيست ــ حتى في تعدد اهتماماته، أو في توزع هذا الاكتشاف، لأن رحلته الإنسانية جعلته يؤمن بوحدة المعرفة. المعرفة وحدة واحدة وإن تعددت أشكالها وموضوعاتها، ويبدو لي أن الكثير من أعمالي يفسَّر في إطار هذا المعنى».
وأظن أن هذه النزعة هي التي حمت كتاباته من الانخراط في جاذبية الأيديولوجيات الضاغطة في تلك المرحلة، خصوصاً زخم الشوفينية القومية التي كانت على أشدها واختزلت مفهوم الالتزام في مدى الورع تجاه هذا الشعور القومي، وبالتالي فإن التليسي الذي تثقف عصامياً وتعرف على العديد من الكتب المهمة بالصدفة كما يعترف، سيتحدد مشروعه من خلال منطلقات ذاتية تجعله قريباً من عديد الكُتاب في لغته ولغات أخرى والتي شكلت وعيه تجاه الآخر والذات.
بداية من تأثره بأبي العلاء المعري الذي كان مدخله إلى الشعر والتراث عموماً بروحه القلقة ولغته الصلبة، وصولاً فيما بعد إلى العقاد وطه حسين والمازني وميخائيل نعيمة، وليو باردي، وجيوفاني بابيني، وبرانديللو، ومورافيا، إيتالو كالفينو، إبسن، موباسان، كروتشي، تشيخوف، وغيرهم، ويلتقي التليسي مع هؤلاء الكُتاب في الإخلاص لتجاربهم الشخصية ومعاناتهم الذاتية، أو لموسوعيتهم وعصاميتهم، ولغلبة الجانب الفني لديهم على سواه، وطلاوة لغتهم، وانفتاحهم على الحوار، وبالتالي ستنعكس كل هذه الخصائص على كتابة التليسي ومنهج اختياراته وتأملاته النقدية، وضمناً إلى أسلوبه في الكتابة النثرية التي تستجيب إلى حد كبير لطبيعة هذا التفاعل.
ومن جانب آخر، تأتي اهتماماته الأخرى، مثل كتاباته التاريخية وترجماته التي يعتبرها جزءاً من شغفه الأدبي ومن ذاته، فهو يربط التاريخ بالأدب، أو كما يقول: المؤرخ العربي كان أديباً، والأديب العربي كان مؤرخاً «فالتاريخ عندما يريد أن يكون اكتشافاً للجوهر الحضاري لا بد أن يكون أدباً لأن الجوهر الحضاري هو الإبداع». إضافة إلى أن هذا الاهتمام بتاريخ المنطقة يأتي في باب اهتماماته بمسألة الكيان والهوية والبحث عن جذور هذه الذات، وهذا ما سيؤكد عليه أيضاً حين يتطرق إلى جهده في الترجمة: «أنا أقوم في كل ما أكتب باكتشاف كياني، وأعتبر كل أعمالي مفسِّرة لي. إن الترجمة تدخل في باب التعبير عن الذات».
من خلال هذه اللمحات من سيرته الذهنية يمكننا أن نلمس أن التليسي الذي بدأ حياته معلماً سيبقى مطيعاً لهذه المهنة التي لاحقته في كل ما كتب تقريباً: «إن شخصية المعلم لم تزل قائمة في نفسي حتى في ما أقدم من أعمال ومن إنتاج، وأحياناً تصارع حتى شخصية المبدع، ولعلي لا أخلد ــ إذا صح الخلود ــ في تاريخنا الوطني بشيء كما أخلد بشخصية المعلم التي تختفي وراء أعمالي».
وسيكون الأسلوب التلقيني ذو النبرة التعليمية إحدى السمات المهمة في أسلوب المقالة لديه وفي بنيتها الإنشائية، ومن ثم يأتي اهتمامه المبكر بالتراث شعراً ونثراً كعامل تأثير في لغة وأسلوب كتاباته النثرية: اللغة التقليدية المنضبطة التي تتوخى الوضوح والعلاقات السببية وأحكام القيمة والقطعية أحياناً في طرحه لآرائه أو استنتاجاته، ما يجعل التليسي أحيانا يكتب وكأنه يتحدث مهتماً بوضوح الأفكار والآراء على حساب الاستعراض اللغوي أو التلاعب بالكلمات حتى في المقالات الأدبية، كما يمكن تلمُّس روح النثر الفقهي الصوفي في مفرداته وتراكيبه اللغوية، وهو الذي يعتبر هذا النثر أحد المراجع الثقافية والأسلوبية في المغرب العربي.
أما علاقته بالأدب الغربي فتتبدى بجلاء فيما يسم مقالته من توجه علمي وتكثيف وانفتاح تجاه الأفكار والثقافات المتعددة، متجاوزاً ما صبغ مرحلته من نزعات دوغمائية أو رطانات أيديولوجية إلى شرطه الوحيد في الكتابة الإبداعية المتمثل في الإخلاص لجوهر الفن وما تمليه ذات المبدع.
ويشكل ها التفاعل داخل مقالة التليسي بين روح المعلم والنزوع التلقيني وبين مضامينه الحداثية النامية التي تحرك عناصر المقالة لديه وتحدد بناءها المخلص لذاته الموزعة على عديد الاهتمامات، والمداومة على أسئلتها الملتبسة حيال الكيان والهوية، هذا الالتباس الذي يعتبره إيجابياً وممتعاً بما يزخر به من صراعية وجدل، معبراً عن هذا المعنى بقوله: لعله من دواعي المتعة أن يقع الالتباس في تحديد الهوية؛ لأنها في عمقها واتساعها بحيث يتعذر من النظرة الأولى حصرها في مسار واحد، أو في بطاقة هوية واحدة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات