Atwasat

نيران صديقة

جمعة بوكليب الأربعاء 22 أبريل 2026, 02:09 مساء
جمعة بوكليب

لو حدث وسمع امرؤ بمصطلح «نيران صديقة» من دون سابق معرفة، لربما أصيب بعُسر فهم. فالمصطلح يبدو لي شخصياً غريب التركيبة ومدعاة للريبة، كونه يجمع بين النار والصداقة وقد غُلّفا بغلاف ملون وجميل لتمرير قبوله من دون مساءلة، رغم أن الجمع بين الاثنين في مصطلح واحد لا يفضي مباشرة إلى فهم المعنى الأليم المقصود منه: رصاصة في الظهر من سلاح ناري يُفترض أن يكون صديقاً وموثوقاً.

مصادر الإنترنت تقول: «يُعتقد أن أول استخدام للمصطلح كان على يد مؤرخ عسكري أميركي اسمه إس. إل. إيه. مارشال (S.L.A. Marshall) في العام 1947، في كتاب له بعنوان: (رجال في مواجهة النار)، وتم اعتماد المصطلح رسمياً من الجيش الأميركي».وفي الحرب الدائرة حالياً بين إيران من جهة، وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، ورد المصطلح في بدايتها لدى إسقاط القوات الكويتية عن طريق الخطأ ثلاث طائرات مقاتلة أميركية. الأميركيون في بيانهم قالوا إن الطائرات سقطت بفعل نيران صديقة وليس بصواريخ إيرانية.

العلاقة بين المصطلح والجيوش وإن كانت هي الغالبة، إلا أنها لم تمنع انزلاقه خارجاً من معاجمها إلى مناطق حياتية عديدة؛ سواء على مستوى علاقات الصداقة، أو العلاقات الاجتماعية الإنسانية، أو العلاقات الزوجية والعائلية، أو علاقات الزمالة في العمل وغيرها.

غرابة المصطلح، في رأيي، تكمن في أنه يجمع بين أقصى درجات الأمان المفترض وأقصى درجات الألم غير المتوقع. في العُرف الإنساني، الظهر هو المساحة التي نتركها لحراسة وحماية من نثق بهم. عندما تأتي الرصاصة من الخلف، فهذا يعني أنك كنت تتقدم نحو عدو بحذر لتفادي المخاطر الواضحة، وفي الوقت ذاته تسير مطمئناً تماماً لجهة الخلف. وحين تصيبك رصاصة الظهر تكون الإصابة مضاعفة وأكثر إيلاماً. فهي وإن كانت إصابة جسدية (أو معنوية) تكون صدمة نفسية في آن واحد، لأن الرصاصة التي أصابتك في الظهر خرجت من سلاح ناري وُجد لحمايتك. لذلك السبب تفادوا أن يسمّوا ما حدث خيانة، أو جريمة قتل إذا أدت إلى الموت، على اعتبار أنها تفتقد القصدية، أو بلغة القانون نتيجة خطأ وليس عن سبق إصرار وترصد. وبدلاً من ذلك لجأوا إلى نحت تلك التسمية المريبة: «نيران صديقة».

اللافت للاهتمام أنه إذا كانت النيران الصديقة ليست خيانة، فإنها في أغلب الأحيان تؤدي إلى النتيجة نفسها، وبنفس مذاق مرارة الخيانة في الفم والقلب إن لم تكن أمرُّ. البعض يراها خذلاناً. ومهما تعددت التسميات واختلفت إلا أن الحقيقة والواقع يؤكدان أن «النيران الصديقة» لا تختلف عن النيران غير الصديقة في نتائجها. الرصاصة التي تصيب المرء في ظهره أحياناً ليس مهماً مصدرها (بندقية صديقة أو عدوة).

لعل أسوأ النتائج أن الرصاصة المسماة مجازاً نيراناً صديقة تحرمك من ممارسة حقك في الكراهية لوجود شبهة الخطأ أو غياب القصد، وأحياناً تحرمك حقك في الانتقام للسبب نفسه. ولهذا في الأغلب تتركك معلقاً بخيط في منطقة رمادية، متأرجحاً صعوداً وهبوطاً مثل لعبة (يويو) بين الألم والعفو؛ بمعنى أنك كلما تذكرتها لا تطيق الألم، وفي الوقت ذاته لا تستطيع العفو.

الذين منّا عاشوا تلك التجربة، واصطلوا بألم النيران الصديقة، يعرفون ذلك معرفة جيدة، وأكثرهم يتذكرونها وليس بمقدورهم التصالح مع ما حدث لهم ونسيانه وكأنه لم يحدث. التسامح مع الفاعل/ الفاعلين يعد (تابو) لا يمكنهم الاقتراب منه. أغلبهم، على الأرجح، ما تزال تنزف في قلوبهم ندوبها، وقد تفضي بهم إلى الكفر بالصداقة، وربما يصيرون أقرب إلى ما قاله ذات زمن شاعر عربي: «يرى اللهُ أني للأنيسِ لكارهُ .. وتبغضُهم لي مقلةٌ وضميرُ».

ولأن المرء في مسارات الحياة ودروبها الخطرة المتشعبة (يادوب) يستطيع تفادي الرصاصات التي من المحتمل تصيبه في الصدر، فإنه، في الوقت ذاته، ليس بمقدوره كذلك العيش ناظراً للخلف حذراً واحتراساً من احتمال أن تصيبه رصاصة في الظهر.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»