تفاجأت وأنا أتابع حلقة على اليوتيوب للباحث الأردني أيمن العتوم بعنوان «كرسي المعلقات»، بوجود اثنين وخمسين كتابا لشرح المعلقات، بين كتاب مطبوع ومخطوط ومحقق وغير محقق منذ أول شرح للمعلقات السبع للحسين بن أحمد الزوزني المتوفي العام 486 هجريا، وشرح ابن الأنباري وشرح أبي جعفر النحاس وحتى القرن الحادي والعشرين، وهدد العتوم بأنه سيصدر قريبا الشرح الثالث والخمسين لنفس المعلقات.
هذا إذا استثنينا كتاب «طبقات فحول الشعراء» لابن سلام الجمحي المتوفى العام 231 هجريا، باعتباره أول من كتب عن شعراء ما قبل الإسلام، ومن ضمنهم شعراء المعلقات، بعد أن جمع المعلقات حماد الراوية المتوفي عام 155 هجريا، وقبل حماد كانت المعلقات تنتقل شفويا من جيل إلى آخر دون أن تكتب، ويشكك العتوم في أن المعلقات سميت بهذا الاسم لأنها كانت تعلق على الكعبة، ويرى أنها سميت بالمعلقات لأن العرب تعلقوا بها، فلمن ستكتب حتى يقرأها من يستطيع القراءة، إذا علمنا أن عدد من يستطيع القراءة في قبيلة قريش في مطلع الإسلام لا يتجاوز السبعة عشر في قبيلة تعدادها العشرة آلاف نسمة.
تساءلت تُرى ما هي الدوافع التي جعلت الشارحين يصدرون كل هذا العدد من الشروح، واكتشفت أن الفروقات ضئيلة فبعضهم يجعلها فقط أربع معلقات، ومعظم الشارحين يصر على أنها سبع معلقات، بينما يرفعها البعض الآخر إلى إحدى عشرة معلقة، واتفق الشارحون على تثبيت أربعة شعراء في كل الشروح وهم امرؤ القيس بن حجر، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى، والنابغة الذبياني، أما في بقية المعلقات فيستبدل الشعراء مثل لاعبي كرة القدم اليوم، فيخرج عنترة بن شداد ويدخل علقمة الفحل، ويخرج الأعشى ليحل محله لبيد بن ربيعة، ويخرج عمرو بن كلثوم ليدخل الحارث بن حلزة.
ابن خلدون نبهني إلى أن العصبية القبلية لعبت دورا مهما في اختيار شعراء المعلقات، وعندها عدت أبحث عن الأصول القبلية للشعراء الأربعة الأساسيين، فوجدت أن امرأ القيس بن حجر ينتمي لقبيلة كندة القحطانية اليمنية، من الفرع الذي هاجر من اليمن بعد انهيار سد مأرب في سبأ، وأسس مملكة كندة في نجد، بينما ينتمي طرفة بن العبد لقبيلة بكر بن وائل، وهي قبيلة قيسية عدنانية، أي أنها عكس قبيلة امرئ القيس القحطانية، وكانت تمتد من اليمامة قرب الرياض اليوم إلى البحرين وأطراف سواد العراق، أما زهير بن أبي سلمى فينتمي لقبيلة مضر العدنانية وعاش مع قبيلة غطفان وهي قبيلة عدنانية كبيرة من قبائل قيس بن عيلان، أما النابغة الذبياني فينتمي إلى قبيلة ذبيان القيسية القحطانية، يعني اثنين من القحطانيين واثنين من المضريين، وهو توازن دقيق في العصبية القبلية، بالإضافة إلى الخلفية السياسية لكل شاعر، فامرؤ القيس بن ملك كندة، والنابغة كان قريبا من النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وزهير لعب دورا كبيرا في إنهاء الحرب بين عبس وذبيان المعروفة بحرب داحس والغبراء، أما طرفة بن العبد فكان مقربا من ملك الحيرة عمرو بن هند، ثم غضب منه فقتله وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره، وحتى اليوم لا تزال بلداننا تصدر معاجم للشعراء وتحذف منها كل الشعراء المعارضين لنظام الحاكم.
اللغة العربية هي اللغة الوحيدة في العالم التي خصِّص لها اثنا عشر «علما» لدراستها، وهي: علم النحو (الإعراب)، علم الصرف، علم الإملاء، علم اللغة، علم المعاني، علم البيان، علم البديع، علم العروض، علم القوافي، علم قوانين الكتابة، علم قوانين القراءة، وعلم المحاضرات والتواريخ، بينما تصل علوم اللغة الإنجليزية إلى خمسة علوم وهي أكبر لغة انتشارا في العالم، وتقريبا نفس العدد في اللغة الصينية ثاني أكبر اللغات في العالم، على الرغم من أن حروفها تصل إلى خمسة آلاف حرف، ويكفي للمحادثة والكتابة اليومية ثلاثة آلاف منها.
هذا السخاء اللغوي انعكس أيضا على ما سمي بعلم الحديث، الذي يقسم إلى: علم الحديث (رواية)، وعلم الحديث (دراية)، علم مصطلح الحديث، علم الجرح والتعديل ويسمى أيضا بعلم الرجال، علم التخريج، علم غريب الحديث، علم شرح الحديث، وعلم تدوين السنة، بينما ينقسم علم الفقه إلى: علم أصول الفقه، وعلم فروع الفقه وعلم القواعد الفقهية والذي ينقسم إلى قسمين: فقه العبادات وفقه المعاملات والمذاهب الفقهية.
وصل عدد كتب تفسير القرآن إلى ثلاثة آلاف كتاب، منذ تفسير ابن جريج وتفسير محمد بن جرير الطبري، والفرق بين هذه التفاسير لا يذكر، إلا إذا استثنينا أن بعضها ركز على الإعراب، وبعضها ركز على البلاغة وما وصف بالإعجاز، وغيرها ركز على تفسير المعاني، حتى وصلنا إلى القرن الحادي والعشرين، فظهر علينا محمد عابد الجابري ومحمد شحرور بتفسير جديد، مقارنة بالتفاسير القديمة التي كانت تعتمد نفس تفسير ابن عباس وعبد الله بن مسعود، أي كتابة على هامش الكتابة وقول على قول.
تأسس علم الكلام وهو ما يعادل علم اللاهوت في المسيحية، لإكساب صاحبه القدرة على النقاش والجدل والحجاج في مسائل العقيدة، باستخدام المنطق في الفلسفة، ومع ذلك سمي علما ثم أضافوا له الكلام ربما تحاشيا من وصفه بعلم العقيدة، ولم يحتج أحد على هذه المفارقة غير المنطقية، فالعقيدة عقيدة والعلم علم ولن يلتقيا.
وإذا انتقلنا إلى العلوم البحتة والتطبيقية فسنجد أن مؤسس علم الكيمياء جابر بن حيان، كتب طوال مسيرته 232 كتابا ورسالة في الكيمياء والرياضيات والفلك والطب والفلسفة ولكن معظمها ضاع، باستثناء الكتب التي ترجمت إلى اللغة اللاتينية في القرن الثاني عشر، وترك ابن الهيثم 200 كتابا لم يصل إلينا منها سوى خمسين في البصريات والرياضيات، وألف ابن سينا 450 كتابا في مجالات مختلفة وصلنا منها 240 كتابا، من بينها «القانون في الطب»، وموسوعة «الشفاء» لأنهما درس في الجامعات الأوروبية، ونفس الشيء حدث مع كتب أبي بكر الرازي الذي يقول ابن أبي أصيبعة أنه ألف 238 كتابا في الطب والصيدلة لم يبق منها إلا القليل.
هذه أمة لم تمت من الشيخوخة وإنما انتحرت، عندما أهملت تراثها العقلي والعلمي، وأبقت فقط على تراثها النقلي والشفوي حتى وإن وصلنا مكتوبا، فهو كلام على هامش الكلام، مما جعل الكاتب السعودي عبد الله القصيمي يصرخ صرخته الشهيرة «العرب ظاهرة صوتية». لا أعتبر القصيمي مفكرا، وربما قال جملته الشهيرة وهو يستمع إلى صوت المذيع أحمد سعيد من إذاعة صوت العرب، وهو يسقط الطائرات الإسرائيلية صبيحة السادس من يونيو العام 1967، ولكن طلقة القصيمي التي أطلقها في الظلام أصابت هدفها بدقة. إنها أمة معادية للعلم فحتى العلم العقلي الوحيد الذي أنتجته الفرق المتناحرة على السلطة أطلقت عليه علم الكلام، ومعظم كتب الجاحظ لم تصل لنا، ولا كتب أبي حيان التوحيدي، ربما لأنهما صنفا كمعتزليين من أصحاب علم الكلام، وعلى الرغم من أنه علم كلام، إلا أن معظم الفقهاء وعلى رأسهم الغزالي وابن تيمية حرموا الاشتغال بالفلسفة وعلم الكلام، وبعض الفقهاء حرم الاشتغال بعلم الكيمياء وعلم الفلك، أما بقية العلوم فقد قبلوها على مضض، ولهذا لا يزال الكثير من الناس يلجأ إلى هؤلاء الفقهاء لعلاجهم من الأمراض، ولا أحد يتحدث عن وصفات ابن سينا وأبي بكر الرازي. حتى مقدمة ابن خلدون وكتب ابن رشد وصلتنا عن طريق المستشرقين الأوروبيين.
ولهذا عندما شكك طه حسين قبل مئة سنة في المعلقات في كتابه «في الشعر الجاهلي»، قامت الدنيا ولم تقعد لأنه وضع الديناميت تحت أساسات السلطة الزمنية والروحية، ولكن طه حسين لو شكك في وجود جابر بن حيان وبقية العلماء والفلاسفة لما احتج عليه أحد، ولكن أن يشكك في المعلقات التي كانت ترتع طليقة في بادية العرب، قبل أن يربطها حماد الراوية، وهو فارسي من الديلم سبي والده وبيع لقبيلة بكر بن وائل وفقا للموسوعة العربية، وولد في الكوفة ونشأ في قبيلة بني شيبان، وكان مقربا من خلفاء بني أمية، بعد أن صاحب اللصوص والصعاليك، وكان متهما في روايته ولا يقبل منه كل ما يرويه، وأخذ عليه أنه كان يزيد من عنده في رواية الأخبار والأشعار، أي أنه كان أشبه بالحكواتي إذا صمت عن الرواية سينصرف الناس عنه، ولأن العصبية القبلية كانت مهمة فقد أهمل حماد شعر الصعاليك الذين صاحبهم في مطلع شبابه، حتى إنه لم يضع قصيدة الشنفرى المعروفة بلامية العرب بين قصائد المعلقات، وهي قصيدة عظيمة تتفوق على معظم قصائد شعراء المعلقات، لأن الشنفرى ببساطة خلعته قبيلته فأصبح صعلوكا دون سند.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات