من حسني الزعيم حتى بشار الأسد، مرورا بعشرات من الرؤساء والقادة الذين وإن نجحوا في الوصول إلى السلطة والبقاء على سدة الحكم إلا أنهم عجزوا عن إدراك اللحظة الذهبية للمغادرة، وعن صياغة مخرج كريم يليق بهم وبأوطانهم.
إن التاريخ السياسي لا يخلّد فقط أولئك الذين بنوا الإمبراطوريات، بل ينحني احتراماً لأولئك الذين امتلكوا شجاعة الانسحاب قبل أن تتحول قوتهم إلى عبء على أوطانهم، وتتحول شرعيتهم إلى قيدٍ يكبّل مستقبل شعوبهم
وإذا كان التاريخ مليئاً بقادة أضاعوا لحظة الانسحاب، فإنه أيضاً يقدّم نماذج مشرقة لقادة امتلكوا شجاعة الرحيل في الوقت المناسب. لقادة لم يروا في السلطة غاية أبدية؛ بل محطة عابرة لخدمة أوطانهم، فتركوا بصمة خالدة لأنهم عرفوا متى يرحلون وهم سادة.
غاندي ... نصيحة لم تُسمع
في بدايات نضاله من أجل استقلال الهند، قدم المهاتما غاندي نصيحة وُصِفت بـ«الذهبية» لبريطانيا التي كانت تزهو بلقب «العظمى». قال لهم بوضوح: «انسحبوا من بلادي.. انسحبوا وأنتم سادة».
كانت بريطانيا آنذاك إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس، تملك من أدوات القوة ما جعلها تسخر من دعوة ذلك «الرجل النحيل الحافي». لكن عمى البصيرة الناتج عن «أوهام القوة» جعل لندن تعجز عن قراءة التحولات الجذرية التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية.
دار الزمان دورته، ولم تخسر بريطانيا وجودها في الهند فحسب، بل خسرت هيبتها التاريخية؛ حتى عادت لانكماشها الأول كجزيرة تكابد الأزمات والنزعات الانفصالية. ماذا لو سمعت بريطانيا نصيحة غاندي وانسحبت مبكراً بمنطق الشراكة لا الهيمنة؟ لربما أعادت صياغة التاريخ بشكل يحفظ مكانتها ومصالحها، بدلاً من أن تُجبر على الرحيل تحت وطأة الانكسار.
ديجول ... والخروج بكرامة
وعلى النقيض من العناد الإمبراطوري، يقدم لنا التاريخ الحديث نموذجاً فريداً في «حكمة الاستقالة» يجسده الجنرال شارل ديجول. هذا الرجل الذي أنقذ فرنسا مرتين؛ الأولى من الاحتلال النازي حين تزعم المقاومة، والثانية من الفوضى السياسية العارمة العام 1958، لم يتردد في مغادرة المشهد العام 1969.
لم يخرج ديجول بانقلاب أو ثورة، بل خرج بقرار ذاتي بعدما أظهر استفتاء شعبي حول سياساته نتيجة أقل مما اشترط هو لنفسه لمواصلة الحكم. أدرك ديجول بذكائه التاريخي أن فرنسا قد تغيرت، وأن أدواته التي نجحت في بناء الدولة لم تعد هي الأدوات المطلوبة لقيادة جيل جديد. بانسحابه ذاك، أنقذ ديجول فرنسا للمرة الثالثة من الجمود السياسي، وحفظ مكانته في قلب التاريخ وفي وجدان الفرنسيين كقائدٍ لم تغلبه شهوة البقاء.
سوار الذهب ... قهر بريق السلطة
ولا يكتمل حديث «حكمة الرحيل» دون التوقف إجلالاً أمام نموذج عربي وأفريقي فريد، جسده المشير عبد الرحمن سوار الذهب في السودان. ففي لحظة تاريخية فارقة العام 1985، تسلم الرجل مقاليد الأمور في ظل اضطرابات عاصفة، وقدم وعداً كان يبدو «غريباً» على الثقافة السياسية السائدة: «سأنسحب بعد عام واحد».
لم يصدقه الكثيرون آنذاك، فالسلطة في منطقتنا غالباً ما تكون «عقداً أبدياً» لا ينفسخ إلا بالموت أو الانقلاب. لكن سوار الذهب، الذي لم يغره بريق القصر ولم ترهبه التحديات، وفى بعهده وسلم السلطة لحكومة منتخبة، وانسحب من الحياة العامة ليتفرغ للعمل الإنساني. لقد أثبت سوار الذهب أن عظمة القائد لا تقاس بسنوات بقائه في الحكم، بل بصدق التزامه تجاه شعبه، فخرج «سيداً» وبقي رمزاً تاريخياً للنزاهة التي تعلو فوق بريق الكراسي.
مانديلا ... والانسحاب في الذروة
على خطى سوار الذهب، يمضي نيلسون مانديلا، أشهر من جسّد «الرحيل في الذروة» في التاريخ المعاصر. بعد أن قضى 27 عاماً في السجن، خرج ليصبح أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، ثم حكم فترة رئاسية واحدة فقط (1994-1999) وانسحب طواعية. لم يكتفِ بذلك، بل دفع برئيس شاب (ثابو مبيكي) خلفه، مؤكداً أن الهدف من الثورة هو بناء مؤسسات، لا احتلال منصب.
كان مانديلا يدرك أن بقاءه الرمزي قد يطغى على نضوج التجربة الديمقراطية الفتية، فآثر أن يكون الأب المؤسس لا الوصي الدائم. بهذا الفعل، رسخ قاعدة ذهبية: «أعظم قائد هو من يعدّ خلفاءه ثم يفسح لهم الطريق».
خوسيه موخيكا ... زاهد أميركا اللاتينية
وفي قارة أخرى، يطل علينا الرئيس الأوروغواني السابق خوسيه موخيكا (بيبي) كنموذج معاصر يثبت أن «قواعد الانسحاب الكريم» ليست حكراً على الماضي. ذلك الرئيس الذي عاش متواضعاً في كوخه، متبرعاً بمعظم راتبه، وزهد في مظاهر القصور الرئاسية، وعندما ترك الحكم عاد للعمل في مزرعته. لم يتشبث بالكرسي، بل اعتبر الرئاسة «محطة» في حياة المواطن، لا نهاية المطاف.
الحسن بن علي... تنازل من أجل وحدة الأمة
قبل هؤلاء جميعاً، وفي أعقد لحظات التاريخ الإسلامي، يقدم لنا الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب نموذجاً فريداً في «الانسحاب من أجل الأمة» حين تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان سنة 41 هـ، حقناً لدماء المسلمين ولم شمل الأمة بعد سنوات من الفتنة والاقتتال.
لم يكن التنازل عن الخلافة سهلاً على من يرى نفسه الأحق بها شرعاً، لكن الحسن آثر مصلحة الأمة على حقه الشخصي، فكان نموذجاً للزهد في السلطة من أجل بقاء الأمة.
معاوية الثاني... يقضة ضمير في زمن الملك العضوض
وقبل أن نغادر رحاب التاريخ الإسلامي، نقف إجلالاً أمام نموذج أخر، يكاد يكون «استثناء الأمويين». إنه الخليفة الشاب معاوية بن يزيد (معاوية الثاني) الذي تسلم الخلافة في لحظة اضطراب سياسي عاصف، بعد أبيه يزيد بن معاوية.
ما يدهش في هذا النموذج أنه لم يكتفِ بتقصير مدة حكمه إلى أشهر معدودة، بل تجاوز ذلك إلى ممارسة نقد ذاتي غير مسبوق. حين أحس بدنو أجله، صعد المنبر وأعلن تخليه عن الخلافة، رافضاً أن يورثها لأحد من أهل بيته. كانت عبارته التي حفظها التاريخ موجعة لبني أمية: «والله ما ذقت حلاوة خلافتكم، فكيف أتقلد وزرها؟!».
لماذا يندر «الانسحاب المشرف» في عالمنا؟
ما دامت هذه النماذج المشرقة موجودة، فلماذا تظل استثناءات نادرة؟ لماذا يتحول الحكام في الغالب إلى «عبيد للكراسي» لا يغادرونها إلا ميتين أو مطرودين؟
يمكن رد ذلك إلى ثلاث إشكاليات كبرى:
أولاً: متلازمة «أنا لا غنى عني» .. وهم استحالة استمرار الدولة دون القائد، فيعتقد أنه «الأب الأبدي» للأمة، وأن رحيله سيتركها يتيمة، فتتحول فكرة الخروج إلى خيانة كبرى في مخيلته.
ثانياً: متلازمة «المؤامرة» .. الخوف المرضي من أن الانسحاب يعني ترك البلاد للفوضى أو للأعداء المتربصين، فيصبح التمسك بالسلطة واجباً مقدساً دفاعاً عن الوطن! وكأن الوطن لا يمكن أن يدافع عن نفسه.
ثالثاً: غياب الضمانات.. في أنظمة سياسية هشة، نادراً ما توجد ترتيبات تضمن للقائد السابق حياة كريمة وآمنة بعد الرحيل. فكثيرون يتمسكون بالسلطة خوفاً على أنفسهم لا حباً في المنصب. الخوف من المصير (محاكمات، ملاحقات، أو حتى اغتيال) يحول الكرسي إلى قلعة حصينة لا يمكن النزول عنها.
نحو ثقافة سياسية تقدّس «الخروج المشرف»
إن المأساة التي تتكرر اليوم هي عجز الكثير من القادة والساسة عن إدراك «توقيت الخروج». فالواقع دائم التغير، وما كان يصح في زمن معين، قد لا يصح في زمن آخر. السياسي الحكيم ليس هو من يتقن التمسك بالكرسي عبر «هندسة البقاء»، بل هو من يجيد قراءة التاريخ واستشراف المستقبل.
فهل يمكن تأسيس «ثقافة سياسية عربية» تقدّس فكرة «الانسحاب في الذروة» كما تقدّس «البقاء في القمة»؟ هل يمكن أن ننتج آليات دستورية وسياسية تضمن للقائد السابق كرامته وأمانه مقابل تنحيه في الوقت المناسب؟
الخلاصة
إن الدول التي تنجح في إنتاج قادة يعرفون متى وكيف يرحلون، هي الدول التي تضمن لنفسها الاستقرار والتجدد. السياسي الحكيم ليس من يطيل البقاء، بل من يترك وراءه مؤسسات قوية وقادة مؤهلين. بهذا المنطق، يصبح «فن الانسحاب» ليس مجرد فضيلة شخصية، بل ضرورة وجودية لإنقاذ الأوطان من الجمود والانهيار.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات