Atwasat

حرب الأصوليات الكبرى

عمر الكدي الإثنين 30 مارس 2026, 06:31 مساء
عمر الكدي

لا تموت الأصوليات، وإنما تبعث في ثوب جديد يوافق عصرها، ما لم تتعرض مجتمعاتها الحاضنة إلى إصلاح ديني وتنوير، مثل الإصلاح الديني وعصر الأنوار الذي عصف بأوروبا، ونقلها من قارة خاملة لتستعمر معظم كوكب الأرض. واليوم لم تعد هناك أصوليات في أوروبا الغربية، وإن كانت لا تزال موجودة بقوة على تخومها، في أوروبا الشرقية وفي البلقان وروسيا، حيث عادت الكنيسة كما كانت في زمن القياصرة، بعد أن اختفت الأنظمة الشيوعية التي كانت تؤمن بأن الدين أفيون الشعوب.

على الرغم من أن المهاجرين الأوروبيين إلى أميركا كان معظمهم من البروتستانت، أي أنهم حضروا حركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر وجون كالفن، إلا أنهم لم يحضروا الثورة الفرنسية وعصر الأنوار. هربوا من قارة مجنونة يتقاتل فيها الكاثوليك والبروتستانت بضراوة. اعتبر البيورتانيون، وهم طائفة من البروتستانت، أميركا أرض الميعاد، واعتبروا الهنود الحمر كنعانيين يجب أن يختفوا من الأرض التي منحها الله لهم، تجسيدًا لعبارة وردت في سفر التكوين 18:15 مخاطبةً إبراهيم: «لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات». وإذا وجب التعديل في العالم الجديد تصبح العبارة: «من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ»، وهي نفس العبارة التي اعتمدتها الحركة الصهيونية لتأسيس وطن لليهود في فلسطين.

لا ينتهي الأمر بتأسيس إسرائيل، فهي المرحلة الأولى لإعادة بناء هيكل سليمان، في نفس المكان الذي بُنى فيه المسجد الأقصى. وهذا الاعتقاد يشترك فيه أيضًا المسيحيون الصهيونيون؛ فإعادة بناء الهيكل شرط لعودة المسيح وفق العقيدة المسيحية، وشرط لعودة المسايح وفق العقيدة اليهودية. لذلك، ورغم قبول ديفيد بن غوريون لقرار تقسيم فلسطين رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، إلا أنه رفض وضع حدود نهائية لدولته الجديدة، فهذه الحدود ستغضب الأصوليين اليهود الذين يعتقدون أن الرب هو من رسم حدود الدولة.

على الجانب الآخر، يؤمن المسلمون بأن المسجد الأقصى أولى القبلتين ومسرى نبيهم، حتى ياسر عرفات الذي قبل بنحو 22% من مساحة فلسطين التاريخية وفق اتفاقية أوسلو، أي أقل من نصف المساحة وفق القرار 181، إلا أنه رفض التنازل عن المسجد الأقصى، ومات مسمومًا بمواد مشعة. الحقائق التاريخية لا تصمد أمام عقائد الأصوليات الكبرى. والسبب في بنائه سياسي وليس دينيًا؛ فقد اضطر عبدالملك بن مروان لبناء هذا المسجد، لأن عبد الله بن الزبير سيطر على الحجاز ومنع حجاج الشام من الحج إلى المسجد الحرام، وطالما أنه أولى القبلتين، فسيكون أول الحجيج. وهكذا ظهرت مرويات تؤكد أن المكان كان معبدًا مقدسًا منذ آدم.

لم يجد علماء الآثار اليهود ما يؤيد ما جاء في العهد القديم، رغم أنهم قلبوا كل شبر في فلسطين التاريخية، كما لم يجدوا شيئًا في سيناء التي تزعم التوراة أنهم تاهوا فيها أربعين عامًا. بل إن عالم الآثار الإسرائيلي إسرائيل فلينكلشتاين أكد أن قصص الملوك داود وسليمان كتبت بعد عدة قرون من زمنهما المفترض لأسباب أيديولوجية، ما يعني أن فلسطين ليست مسرح التوراة.

في المقابل، لا يوجد دليل تاريخي واحد على ولادة المهدي المنتظر، بل هناك روايات متناقضة؛ إحداها تؤكد أن الحسن العسكري الإمام الحادي عشر لم ينجب على الإطلاق، بينما تؤكد رواية أخرى أنه أنجب ابنه في الخفاء، خوفًا عليه من بطش العباسيين، وعاش سبعين عامًا في غيبته الصغرى، ثم دخل في الغيبة الكبرى التي تنتهي بنهاية الزمان. ومن حق أي مجموعة أن تعتقد كما تشاء، ولكن أن يتحول هذا الاعتقاد إلى نظام دولة، مثل نظام ولاية الفقيه في إيران، فإن ذلك يحول أي نزاع دولي إلى مجرد عبث.

في فبراير 1979 وصل آية الله الخميني إلى السلطة، مجسدًا نظام ولاية الفقيه بعد مرور 1105 أعوام من اختفاء المهدي المنتظر، وفي نوفمبر من نفس العام استولى جهيمان العتيبي على الحرم المكي في ذروة موسم الحج، واستغرقت قوات الأمن السعودية أسبوعين للتصدي له وأنصاره، وكان من الممكن أن يستغرق وقتًا أطول لو لم يُقتل المهدي المنتظر في أولى المواجهات، والمهدي هذه المرة هو محمد بن عبد الله القحطاني، صهر جهيمان، الذي لم يكن يعلم أنه المهدي المنتظر حتى أقنعه جهيمان بذلك. فالنسخة السنية للمهدي تُسمى محمد بن عبد الله على اسم الرسول محمد، بينما تدعي النسخة الشيعية بأنه محمد بن الحسن العسكري. وكان على القحطاني أن يعلن أنه المهدي المنتظر من الحرم المكي، ولكن بعد قتله أخفى جهيمان جثته في قبو تحت الحرم، وبسبب الحرارة تحلل الجسد بسرعة وانتشرت الرائحة، وعندما اكتشف أنصار جهيمان مقتل المهدي المنتظر خارت عزيمتهم.

وقبل ذلك، تمكن رجل سوداني يُدعى محمد أحمد المهدي من دخول الخرطوم منتصرًا عام 1881، وفي المغرب ظهر المهدي بن تومرت، مؤسس دولة الموحدين، على أنه المهدي المنتظر عام 1121، بعد سنوات قليلة من اختفاء المهدي الشيعي، أي أن المهدي المنتظر السني ظهر ثلاث مرات، بينما لم يظهر المهدي الشيعي إلا مرة واحدة.

هذه العقائد التي ظهرت في فلسطين والعراق وإيران لا بد أن تعود إلى الرحم الذي أنجبها لتتفكك هناك، ولكن هذه المرة تعود وهي مدججة بأسلحة متطورة وبالذكاء الاصطناعي وبالأسلحة النووية. ومع ذلك، جميع الأطراف تستخدم أسماء من تراثها الديني لتطلقها على أسلحتها؛ فالصواريخ الإيرانية تسمى: سجيل، قدر، شهاب، ذوالفقار، وخيبر، بينما تواجه إسرائيل هذه الصواريخ بمقلاع داود، ولديها صاروخ يسمى أريحا نسبة إلى يوشع بن نون، الذي دمر مدينة أريحا وفق الرواية التوراتية، كما تسمي أسلحتها النووية خيار شمشون، وهو شخصية توراتية أخرى دمرت المعبد على من فيه، وهو يصرخ: «علي وعلى أعدائي يا رب».

إذا كانت إيران قد تبنت نظام ولاية الفقيه وفق عقيدتها الدينية، فإسرائيل تتحول بالتدريج إلى دولة دينية، بينما تتحول الولايات المتحدة إلى اليمين المحافظ الإنجيلي. وهكذا لم يعد الصراع نزاعًا على الحدود أو مصادر الثروة، وإنما تحول إلى نزاع بين آيات الله وحاخاماته وقساوسته. وهذا النوع من النزاعات لا ينتهي، وإنما يتجدد بعد توقف موقت، وهو يشبه الحروب الصليبية التي امتدت على مدى 195 سنة، واجهت خلالها فلسطين وبلاد الشام ومصر ثماني حملات بمباركة البابا. وهذه الحملة على إيران تشبه الحملات الصليبية، ولكن بنفس الصبغة الصليبية والتوراتية، وإيران تواجه الحملة بنفس النهج الكربلائي، ومثلما حدث من تحالفات بين أمراء وحكام المسلمين مع الصليبيين، يحدث اليوم مرة أخرى.

لهذا، قصفت إيران بالصواريخ والمسيرات دول الخليج أكثر من قصفها لإسرائيل، ولكن مضيق هرمز، الذي يشبه عنق الزجاجة، هو الذي يقرر مصير هذه الحملة. هرمز هو اختصار للإله الزرادشتي أهورامزدا، وهو أيضًا اسم لعدد من الملوك الساسانيين، وليس هيرمس بن زيوس في الأساطير اليونانية. ومن سخرية القدر أن دولة ولاية الفقيه تستنجد بالإله الزرادشتي وبملوكها الساسانيين وهي تخوض هذه المعركة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»