كان حق هذه المقالة أن تخرج إلى النور منذ سنوات، ففكرتها ظلت قابعة في الذهن منذ زمن، تتبلور أكثر فأكثر، وكلما تدبّرت المشهد السياسي والاقتصادي للعالم تأكدت في داخلي من صحة الطرح الذي تأتي به هذه المقالة، أو هكذا يتراءى لي على الأقل. أما عن سبب تأخر كتابتها ونشرها، فليس كل ما يختلج في أذهاننا من أفكار نطرحه للنقاش مع عامة الناس، وليس كل ما يفكر به المرء يبوح به.
ولا أقصد هنا أنني لا أبوح بفكرة هذه المقالة، بل أقصد أنني لا أبوح بسبب عدم كتابتها ونشرها من قبل، والحال أن فكرتها تسيطر عليّ منذ سنوات. أما لماذا أفعل ذلك الآن تحديدًا، فهذا لغاية في نفسي أيضًا.
يعمد الإنسان إلى ادخار شيء من ماله ولا يستعمله حتى وهو يعيش ظروفًا صعبة، وذلك تحسبًا لظروف أصعب، أو تربصًا لأوقات أنسب، وهو ما يعبر عنه المثل الشعبي القائل: (القرش الأبيض لليوم الأسود).
وهذا الادخار قد لا يكون بمحض إرادة الإنسان، بل قد يفرض عليه فرضًا، فتراه يتضجر من قلة ذات اليد مع علمه بأن لديه مدخرات تفوق احتياجاته. وهذا ما يحدث في المشهد الاقتصادي الليبي في رأينا، إذا ما نظرنا إليه في نطاقه الإقليمي أولًا، ثم في نطاقه الدولي ثانيًا، وليس في نطاقه المحلي فقط. فليبيا أُريد لها أن تكون هكذا طيلة العقود الماضية، وربما آن أوان تغيير هذه الإرادة.
ليبيا بلد غني، ليس بالموارد الطبيعية فقط، فهذه قد تنضب يومًا ما، لكنه بلد غني أكثر بموقعه الاستراتيجي الذي يتوسط العالم تقريبًا. وما حدث لليبيا هو أن العالم يدخرها ليوم ما، ويبدو أن هذا اليوم قد اقترب. ولذلك نعتقد أننا سنرى تغيرًا كبيرًا نحو الأفضل في المشهد الاقتصادي الليبي، بل وحتى السياسي والأمني، وسيتحقق حلم المواطن الليبي بأن يرى وطنه في مصاف الدول الناهضة والمتقدمة، وحينها سيكون للأسد الليبي زئير مسموع.
لا بد أن ندرك أن العالم صار قرية صغيرة، وأن ما يحدث في أقصى الأرض يؤثر على ما يحدث في أدناها، وأنه لا دولة في العالم بمنأى عن صراعات الدول الكبرى بشكل أو بآخر. ولا بد أن نعلم أيضًا أن هناك تحالفات جديدة تتشكل، وأن الصراع الاقتصادي هو أحد المحركات الأساسية لسياسات العالم كلها، وأن هذا الصراع لا ينحصر في الطاقة فقط، بل يشمل الأسواق والممرات والمواقع الاستراتيجية أيضًا، وهنا مربط الفرس كما يقولون.
ما حدث أنه بعد انتهاء حرب فيتنام وحلول السلام في آسيا، نهضت النمور الآسيوية بتشجيع أميركي في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، ثم توالى نهوض بعض الدول الآسيوية الأخرى حتى تشكل في تلك المنطقة اقتصاد قوي، تبعه وجود سوق قوية أيضًا.
وباختصار، فإن هذا الاقتصاد القوي (الآمن) كان يحتاج إلى همزة وصل تصله بالجانب الغربي من العالم، حيث القوة والتكنولوجيا والمال، وذلك بسبب بعده وتنائيه.
فكانت بعض دول الخليج هي همزة الوصل هذه، التي نهضت هي الأخرى بدعم من القوى الكبرى في العالم، الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. وإلا كيف نفسر هذا التقدم الهائل لهذه الدول العربية الخليجية في هذا الزمن القصير؟ ولا بد أن نشير إلى أن جغرافية هذه البلدان وطقسها لا يؤهلانها لهذه النهضة الكبيرة، كما أن عقلية مواطنيها لا تختلف عن عقلية مواطني الدول العربية الأخرى.
أما الإمكانات فلبعض الدول العربية وغير العربية إمكانات أفضل، ولكنها الإدارة الغربية التي أدركت أنها بحاجة إلى استراحة مسافر تكون في هذه الدول، تلتقط فيها أنفاسها وهي في طريقها إلى الجانب الشرقي من العالم، ذلك الجانب الذي صار متقدمًا أكثر بعد الحرب الباردة.
وحين نتحدث عن ليبيا، لا بد أن ندرك أمرين: الأول أنها أدارت ظهرها للغرب طيلة عقود من الزمن، فأدار الغرب لها ظهره، وكانت النتيجة هذه الحالة التي هي عليها. والثاني أن العالم كان يولي اهتمامه ببعض الدول الآسيوية الصاعدة، وجعل بينه وبينها همزة الوصل التي هي دول الخليج، فمنح اهتمامه لتلك وأولى رعايته لهذه. أما أفريقيا فلم يكن يركز عليها كثيرًا بسبب انشغاله عنها بآسيا، وأما ليبيا فلم يحن وقتها بعد.
إذ لن ينتبه الغرب الفاعل إلى ليبيا إلا بعد أن يقرر أن يقيم حضارة ما في أفريقيا، كما أنه لم يلتفت إلى دول الخليج العربي إلا بعد أن ساعد النمور الآسيوية على النهوض. بمعنى أن قرش أفريقيا وقرش ليبيا يدخره الغرب لليوم الأسود. والسؤال الآن: هل جاء هذا اليوم الأسود الذي سيظهر فيه قرش أفريقيا وقرش ليبيا الأبيض؟
إن ما يحدث في أوكرانيا، وما يحدث في إيران، وفي المنطقة بأكملها، وما نراه من صراعات على الممرات المائية، وانعكاسات ذلك على سوق الطاقة وسوق الغذاء، وما يتبعه من تحالفات بين روسيا ودول مهمة وقوية في آسيا كالصين والهند وكوريا الشمالية وحتى إيران، وهذا التضعضع أو شبه الانحسار للوجود الأميركي الغربي في القارة البعيدة، والمحاولات الجادة والكثيرة والسباقة للصين وروسيا لإيجاد موطئ قدم في أفريقيا، كل ذلك يحتم على الدولة الكبرى في العالم، ومن ورائها المعسكر الغربي، الالتفات بقوة إلى أفريقيا، وذلك لتمنع الوجود الصيني الروسي فيها من جهة، ولتجد لها بديلًا عما يمكن أن تفقده في القارة البعيدة وفي غرب آسيا ودول الخليج من جهة أخرى.
كيف لا؟ وهذه القوة الكبرى هي التي تعمدت أن تبقي الدول الأفريقية بعيدة عن التقدم الحضاري أو الاقتصادي، لأنها ترى فيها قرشًا تدخره ليوم كهذا اليوم. وإن هذا الالتفات إلى أفريقيا يستوجب اهتمامًا كبيرًا بليبيا، فهي همزة الوصل بين الغرب وأفريقيا، وهي البوابة التي سيلج منها الغرب إلى القارة السمراء.
إن المشهد سيتغير، وقريبًا جدًا، وإن القارة السمراء ستكون محط أنظار العالم قريبًا، وإن الأسد الليبي، نتاجًا لذلك، سينهض ويُسمع زئيره للعالم كله، فبيده مفاتيح أفريقيا، وبيده الكثير من الخيرات والثروات، وسيكون له تأثير كبير على دول الجوار، وعلى دول جنوب المتوسط، وحتى على دول العمق الأفريقي.
ولكن عليه أن يحسن قراءة المشهد السياسي العالمي، وأن يلعب دور همزة الوصل بين الغرب وأفريقيا بامتياز، وأن يستفيد من قدر ساقه الله إليه، وأن يحسن استعمال هذا القرش الذي طال ادخاره، وأن يكون عادلًا في تعامله مع المشهد الجديد: عادلًا مع نفسه، ومع محيطه، ومع بيئته، وعادلًا مع قيمه.
فالعدل، كما يقول ابن خلدون، أساس الملك. ويقول الفيلسوف البريطاني جوليان رايس في كتابه فلسفة الاقتصاد:
«السياسة الاقتصادية ليست علمًا في المختبر، بل مفترق طرق بين العدالة والمصلحة».
وأخيرًا، فإن السياسة لعبة إدارة المصالح المشتركة بينك وبين الآخرين، وإدارة هذه المصالح تتطلب حكمة كبيرة. قال تعالى:
(وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا).
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات