بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ترسخت قناعة لدى الدول المُنتصرة بأن التحالفات السياسية وحدها لا تكفي لبناء سلام عالمي مستدام، وأصبح من الواجب العمل على إعادة بناء النظم التعليمية لضمان استمرار نقل المعرفة من خلال إعادة إعمار المدارس والمكتبات والمتاحف التي دمرتها الحرب في أوروبا والعالم، ومعالجة الجذور الفكرية للنزاعات.
من هنا جاءت فكرة تأسيس منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في 16 نوفمبر 1945، وقعت 44 دولة في باريس على الميثاق التأسيسي، جاءت اليونسكو كامتداد لجهود اللجنة الدولية للتعاون الفكري التابعة لعصبة الأمم.
بعد استقلال ليبيا قدمت اليونسكو مساعدات فنية ومالية لدعم التعليم وبناء المؤسسات التربوية، من ضمنها المدارس ومراكز تدريب المعلمين، حيث بلغ ما قدمتهُ اليونسكو 23% من إجمالي معونات الوكالات الدولية بين العامين 1950- 1965.
انضمت ليبيا رسميا إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في 27 يونيو 1953، وجرى إيداع تصديقها على الميثاق التأسيسي في 1 يوليو 1953، وهذا مايؤكد أن علاقة ليبيا باليونسكو تاريخية امتدت لثلاثة وسبعين عاما من الشراكة والتعاون.
كما تُعد ليبيا أقدم عضو في المنظمة من يين دول المغرب العربي، حيث انضمت كل من المغرب وتونس سنة 1956، والجزائر وموريتانيا سنة 1962، أما أول مندوب لليبيا في اليونسكو فهو الكاتب والشاعر الأستاذ فؤاد الكعبازي، أصيل المدينة القديمة، شارع كوشة الصفار، يجيد الراحل الكعبازي العديد من اللغات الأجنبية، الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والتركية، وعضو في مجمع اللغة العربية وباحث في التراث الطرابلسي، سيرة مميزة وتمثيل مشرف لليبيا في المنظمة الدولية.
كان لليونسكو دور مهم في دعم النظام التعليمي في ليبيا قبل اكتشاف النفط، حيث الفقر ومحدودية الموارد. عملت اليونسكو على دعم البنية الأساسية للتعليم في بداية الاستقلال، حيث ساهمت في إنشاء مركز الفويهات لتدريب المعلمين والمرشدين الاجتماعيين ومعلمي محو الأمية في بنغازي، وكذلك المساعدة في تأسيس كلية الدراسات الفنية العليا العام 1961 لتصبح فيما بعد كلية الهندسة جامعة طرابلس، ودعم إنشاء كلية المعلمين العليا العام 1964، كلية التربية جامعة طرابلس، بالإضافة إلى المساعدة في حماية التراث الثقافي.
جنوبا ارتبطت اليونسكو بوجدان الذاكرة المعرفية والثقافية لسكان فزان، حيث ساهمت في الإشراف على 42 مركزا لمحو الأمية وتعليم الكبار، ومراكز التربية الأساسية لتدريب المعلمين وتطوير المهارات الحرفية والزراعية للسكان المحليين، وتم إنشاء مكتبة اليونسكو في سبها سنة 1954 كأول مكتبة عامة في فزان لتعزيز الثقافة ونشر المعرفة.
أشرف على تأسيسها عبد الكريم الجبوري من العراق وسجى عرفات من فلسطين. ساهمت المكتبة لأكثرمن سبعين عاما في تكوين أجيال من المثقفين والباحثين. إسهامات اليونسكو في تأسيس النظام التعليمي في ليبيا مكنها من كسب قلوب السكان المحليين، مما جعلهم ينسبون أي مساعدات تقدمها المنظمات الدولية إلى اليونسكو، على سبيل المثال كانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) تشرف على توزيع أدوات النظافة الشخصية وتقديم التغذية المدرسية، وبرنامج الحليب والبسكويت الذي ارتبط في ذاكرة الطلبة في فزان باليونسكو.
ومن أجل تعزيز التعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) تأسست اللجنة الوطنية الليبية لليونسكو في 7 يوليو 1966، كانت تتبع في ذلك الوقت قسم العلاقات الثقافية الخارجية في وزارة التربية والتعليم، وبعد انضمام ليبيا للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) في 25 يوليو 1970 صدر قرار بإعادة تشكيل اللجنة الوطنية لتكون اللجنة الوطنية الليبية للتربية والثقافة والعلوم في 23 مارس1971، لتشمل التعاون مع المنظمات المختصة.
وبعد انضمام ليبيا للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الإيسسكو سنة 1981، جرى إعادة تنظيم اللجنة الوطنية الليبية للتربية والثقافة بقرار رقم 592 لسنة 1986، بحيث تكون اللجنة الوطنية وسيلة الاتصال ما بين المنظمات الثلاث (اليونسكو - الألكسو - الإيسسكو )
وقطاعات الدولة المختلفة المُهتمة بشؤون التربية والثقافة والعلوم، وتعريف المؤسسات الوطنية بأعمال المنظمات وأنشطتها.
يعتبر الراحل الأستاذ أسعد المسعودي أول أمين لشعبة اليونسكو في اللجنة الوطنية الليبية، ثم يليه الأستاذ الفاضل محمود الدقداق، قامات إدارية من الطراز الرفيع.
أسهمت اليونسكو في مشروع متحف طرابلس الوطني الذي تم افتتاحة سنة 1988، في المقابل دعمت ليبيا مشروع تاريخ أفريقيا العام، وشارك الدكتور إدريس الحرير كعضو في اللجنة العلمية الدولية المسؤولة عن تحرير وإعداد مجلدات كتاب تاريخ أفريقيا العام.
ختاماً، يمكن القول إن علاقة ليبيا مع اليونسكو كانت متميزة في كافة مراحل الدولة الليبية، وأسهمت اللجنة الوطنية الليبية للتربية والثقافة والعلوم في تعزير هذه الشراكة من خلال الربط والتنسيق ما بين المؤسسات الوطنية والمنظمة، وتحتفل اللجنة الوطنية الليبية هذا العام بمرور 60 عاما على تأسيسها، مسيرة حافلة بالعمل والعطاء تعكس عراقة مؤسساتنا التربوية والعلمية والثقافية.
أخيراً، فإن حصول ليبيا على أول كرسي علمي في اليونسكو في الأصول الهندسية وإدارة المخاطر الشهر الماضي هو مؤشر على نجاح التعاون الاستراتيجي يين المؤسسات الوطنية واليونسكو.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات