Atwasat

«جنرالُ الجيشِ الميت»

مفتاح. العماري الثلاثاء 24 فبراير 2026, 01:58 صباحا
مفتاح. العماري

«عندما تخلّت كتيبتي عني،
كنتُ بلا أطرافٍ أنتظرُ نباهةَ الصدفِ الرحيمة؛
لعلّ ذئبًا يهبني كرامةَ جوعه،
حيث لا شيء يعوي غير الألم».

حين تذهب الأرواحُ إلى غير رجعة، ما الذي يجعل العظام ذات قيمة؟ كنا ثلاثة كتّاب، جمعتنا صرخاتُ الموتى وفتنةُ الكلمة داخل كواليس المسرح الوطني بطرابلس، لكي نغيّر مسار رواية «ألبانية»؛ ليس بتحويلها إلى نص حواري قابل للعرض على ركح طرابلسي، بل لتلييب محتواها وإسقاطه على الراهن. حدث ذلك في مطلع التسعينيات من القرن العشرين، وبتحريض من صديقنا المخرج المسرحي نوري عبد الدائم، حيث عملنا في شراكة: «عمر الكدي، ومجاهد البوسيفي، والعبد لله»، على تقطيع أوصال «جنرال الجيش الميت» للروائي الألباني إسماعيل كاداريه. جنرالٌ إيطاليٌّ ترسله حكومته إلى ألبانيا للبحث عن رفات جنوده الذين سقطوا في الحرب العالمية الثانية. وبينما كانت فرقة المسرح الوطني تتهيأ لإجراء التدريبات التمهيدية، توقف كل شيء فجأة، لعدم إجازة النص من لجنة التقييم برابطة الأدباء والكتاب. وقد علمنا فيما بعد أن أسباب المنع تتعلق بشبهة التقارب بين جيش إيطاليا الميت في ألبانيا، وهزيمة جيشنا في تشاد، التي لم يمضِ عليها سوى بضع سنوات.

هذا ما يحدث عندما يُعامَل الجندي الليبي كما لو كان عبدَ سُخرة، خاضعًا لجبروت الإكراه وطاعة الأوامر المجحفة، ليساق غِرًّا دون أية دراية منه حتى بساحة الحرب التي سيكون، رغمًا عنه، وقودًا لجحيمها. فقط يغادر ثكنته وهو لا يعرف أن وجهته التالية صحراء تشاد، إلا عندما تحطّ به طائرة «إليوشن» في مطار سبها أو الكفرة. وكذلك بالنسبة للذين نُقلوا عن طريق البر. كانت لحظة انحراف الرتل عن الطريق الساحلي والاتجاه جنوبًا هي علامة الحدس. لكن لماذا يُعامَل الجندي الليبي بهذا الصنف من الازدراء، كأنه مجرد حطب رخيص تلتهمه نيران الحروب، ولا شيء بعد ذلك سوى الرماد؟ أليس بشرًا له بيت وأحلام وأمنيات صغيرة يحق لها أن تكبر؟

أسفرت سلسلة هزائمنا في فادا، ووادي الدوم، وفايا لارجو، ثم قاعدة السارة، عن قرابة ستة آلاف قتيل، خلافًا لعدد الأسرى والمفقودين الذين لم يُبَتّ في شأنهم رسميًا حتى ساعة كتابة هذا المقال، فيما تُرك رفاتُ قتلانا في الصحراء من دون أن تنظر الجهات ذات الشأن في أمر البحث عنه وجمعه وإعادته إلى أرض الوطن، والعمل على إمكانية التعرف على هويات أصحابه عبر تحليل الحمض النووي. ولأن التخلي عن الموتى خذلانٌ للأحياء، فقد خضع الجندي الليبي لآلة الخداع حيًا وميتًا، جراء الزجّ به في حروب خارج أرضه؛ حروب عشوائية لم تتمخض قراراتها عن سياسات حكيمة، بل أملتها أوهامٌ خانها التقدير في توجيه علاقاتها الخارجية، مما ورّط ليبيا في المزيد من العبث بالسيادة وهدر الزمن والمال العام.

لسنا هنا بصدد تصفية حساب مع جرائم الماضي؛ فما حدث قد حدث. لكن، وبعد مضي قرابة أربعة عقود على آخر معركة خاسرة تعرّض لها جيشنا في قاعدة السارة، تكمن المعضلة في التغاضي المتعمد عن رفات قتلانا، وعدم البتّ بطريقة أكثر وضوحًا فيما يتعلق بالمفقودين الذين لم يُدرجوا في عداد الأسرى أو سجلات القتلى. إن بقاء مثل هذه الملفات عالقة دون أن تشغل حيّزًا من اهتمام السلطات المعنية لأمر يدعو إلى كثير من الاستغراب؛ أقلّه المبادرة باستعارة يوم واحد من السنة ليذكّر فيه الليبيون أنفسهم بهذه المأساة، كمناسبة وطنية ينبغي أن تحظى بقدر من الاعتبار القومي. وبالمثل، يقع على عاتق مؤسسات المجتمع المدني، وبالأخص جمعيات قدامى المحاربين، ضرورةُ جدولة مثل هذه المساعي ضمن أولوياتها، على أن تُدرج كجزء من تدابير العدالة الانتقالية.

في عالمنا المعاصر تُعنى المجتمعات المتمدنة والحضرية بتكريم أرواح الجنود المجهولين الذين تعذر تحديد هوياتهم، وذلك حسب التقاليد المتعارف عليها بإقامة نصب تذكاري، أو ما يُصطلح على تسميته بقبر الجندي المجهول، بما يشكله من استعارة رمزية تختزل عديد القيم النبيلة في التضحية والفداء من أجل الوطن.

ومن جهتنا، حتى لو انتفى أيُّ صنف من التضحية إزاء أرواح أفراد جيشنا الذين خسرناهم في معارك خارج البلاد، باعتبارهم ضحايا خضعوا للتغفيل وسلب الإرادة، فإن علينا، في الحد الأدنى، الاعتراف بمسؤوليتنا باعتبارهم جزءًا من جرائم الدولة أو النظام الذي عملنا على إسقاطه. فما الضير إذًا لو بادرنا بتكريم رفاتهم وجبر الضرر الذي لحق بذويهم؟

إن الاعتراف هنا سيأتي بمثابة درس تاريخي في الوطنية، ورسالة استدراك ينبغي توثيقها إكرامًا لمعنى المواطنة، ولشرف الجندية الذي تطاول العابثون على تشويهه والانحراف بمعناه خارج سياق الواجب الوطني المقدس. ولا أدعو هنا إلى إقامة تمثال أو نصب تذكاري، أو حتى قطعة حجر تشير إلى قبر وهمي؛ فكل ما أطمح إليه ينحصر في التذكير بضرورة إعادة رفات جيشنا الميت إلى أرض الوطن. كذلك للتنبيه إلى أن هذا الصنف القاسي من الجحود والنكران لرمزية الجندي، حيًا وميتًا، قد ينجم عنه ردّ فعل مضاد، نخسر من خلاله نبالة الجندي وأصالته، عندما يتحول، بفعل قسوة الإجحاف، إلى مرتزق يمتهن الحرب مقابل المال؛ حيث لن يتورع، هو الآخر، عن ارتكاب أبشع جرائم القتل والسلب والنهب لإشباع أطماعه من الغنائم. مجردُ رجل عصابة يغلب مصلحته الخاصة على مصلحة الوطن.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»