Atwasat

دولة الثورة

منصور بوشناف الخميس 19 فبراير 2026, 09:29 مساء
منصور بوشناف

ظلت قضية الانتقال من الثورة إلى الدولة من أهم قضايا التحولات التي تشهدها المجتمعات الإنسانية في المراحل الفاصلة من تاريخها، فما إن تتفجر ثورة وتنجح في إسقاط نظام، حتى تنهار كل الآليات التي كانت تنظم علاقة الناس ببعضها وعلاقة المواطن بأدوات الحكم، إن المجتمع يعود لعلاقات ما قبل الدولة، ذلك ما يحدث غالباً ولكنه بالطبع لا ينطبق على الانقلابات العسكرية مثلاً، حيث يجري تسلُّم أدوات الحكم والسيطرة عليها وتسييرها كما خطط أصحاب الانقلاب، يحدث هذا أيضاً في حركات التغيير التي يقودها حزب أو تحالف أحزاب منظم بقيادات شديدة الوعي وتنفذ برنامج تغيير متفق عليه ومخطط له بشكل جيد.

الدولة ليست إلا مؤسسات تحتكر القوة وتحتكر إدارة وتوجيه حركة المجتمع نحو أهداف، إنها آلة الدفع وآلة الكبح التي يستخدمها الحاكم لتحقيق أهدافه السياسية والاقتصادية وعلاقاته بالداخل والإقليم والخارج، إنها أداة تنفيذ شرعية النظام التي نالها عبر ثورة أو انقلاب أو تغيير.
المجتمعات لا تتوقف في حركتها عن التغير والتطور وحتى الانتكاس، إنها ديناميكية التجمعات الإنسانية الطبيعية، ولكن تلك الديناميكية تصاحبها أيضاً الاستاتيكا الاجتماعية حيث تعمل قوى الاستقرار على كبح هذه الديناميكية. الدولة عبر مؤسساتها تقوم غالباً بهذا الدور، مما يؤدي بها إلى الجمود والتحجر ثم التحلل والتفكك والانهيار.

الثورة هي الديناميكا الاجتماعية التي تفجر ذلك التحجر والقمع، فتكون أهم أدوات إسقاط الأنظمة وتدمير مؤسساتها للانعتاق من قيودها والمسير إلى الأمام، لتأسيس دولة أكثر حرية وعدلاً.
إن التناقض بين الدولة والثورة حقيقة لا مهرب منها، لذا انشغل الفكر السياسي بهذه الإشكالية التي عانت نتائجها الشعوب التي شهدت ثورات، وكل ذلك من أجل الوصول إلى تكامل بين «الدولة والثورة» بدل التناقض المدمر للثورة والدولة في نفس الوقت، فالثورة إن لم تُقم دولة سقطت في الفوضى بعد تدميرها للدولة وأذنت بعصر الاستبداد.

قيادة الثورة وتحويلها من عمل تلقائي فوضوي إلى عمل منظم للوصول لبناء الدولة، وتلك مهمة «النخبة» التي غالباً ما تحدد مصير الثورات، تلك المهمة فشلت في القيام بها النخبة السياسية الليبية إلى حد الآن، فهذه النخبة التي قادت الثورة الليبية لم تكن تملك رؤية موحدة لمرحلة ما بعد الثورة، وذلك لأنها لم تكن حزباً واحداً منظماً ولا كانت تحالفاً وطنياً حقيقياً، بل كانت أفراداً وقبائل وتنظيمات «إسلامية»، التقوا وقلوبهم شتى، لم يكن يجمعهم هدف ولا برنامج لإقامة دولة ما بعد الثورة، كل فريق بما نالوا فرحون، كان كل فريق يرى أنه البديل والقادر على إقامة دولته ولا يحول بينه وبين ذلك إلا الطرف الآخر من الثورة.

الإسلاميون وهم الأكثر تنظيماً، فلم يكن ثمة تنظيم واحد غير إسلامي أثناء الثورة، وكانوا الأكثر تلقياً للدعم من قوى مساندة، شرعوا مباشرة وحتى قبل نهاية الأحداث بالسيطرة على كل شيء، وكل ذلك تطلب منهم إعلان الحرب على كل الشركاء الآخرين بمختلف اتجاهاتهم الفكرية والسياسية.

قوة التنظيم وانغلاقه جعلهم يعتقدون أن بإمكانهم تأسيس دولة ما بعد الثورة وفق رؤاهم الخاصة للدولة بشكلها الإسلامي، فحسب أدبياتهم لم يكن الربيع إلا ربيعاً إسلامياً سنياً، ولن يكون دستورها إلا دستورهم.

كانت قيادة الثورة قد خلصت لهذا التيار بعد إقصاء غالبية التوجهات المدنية الأخرى. هذا الاندفاع والتهور الأيديولوجي كان مقتل الثورة ومقتل التيار الإسلامي نفسه، فلم يكن الوقت وقت استفراد بالقيادة والسلطة، كان زمن بناء التحالفات بشكلها الوطني وليس العقدي، فالدولة لا تتأسس إلا بالرؤى الوطنية الجامعة الضامنة لحقوق المواطنة.

الخطأ الأول كان التسرع في الانتقال إلى الدولة والثورة لا تزال في أوجها، فكان لا بد من فترة انتقال أطول يتولى فيها الثوار القيادة والإدارة لتصفية إرث النظام السابق، من عزل ومحاكمات واستعادة حقوق.
الخطأ الثاني كان عدم السيطرة على السلاح بدل التشرذم الذي أصاب السلاح كما أصاب كل القطاعات، وذلك للسيطرة على العنف واحتكار ممارسته.

يقول الباحث السوري «سقراط العلو» إن على النخبة التي تقود الثورة كي تنجز مهمتها في تأسيس دولة ما بعد الثورة أن تقوم بالخطوات التالية:
أولاً: إنهاء العنف السياسي والوصول إلى الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والسياسي.
ثانياً: إعادة بناء الشرعية من خلال كتابة دستور وإجراء انتخابات تعيد توزيع السلطة على أسس جديدة.
ثالثاً: تأسيس مؤسسات قضائية وإدارية جديدة تتمتع باستقلال حقيقي، وأخيراً تحقيق مصالحة وطنية ولو جزئية تتيح دمج الأطراف المتصارعة في مشروع سياسي مشترك.

كل هذه الخطوات لم تحدث في ليبيا، وحتى ما حدث منها حدث بشكل مرتجل ومتسرع مما جعله شعارات لا مصداقية واقعية لها.
لم تكن الانتخابات ولا تسليم السلطة من المجلس الانتقالي إلا خطوات متعجلة، من أجل الحصول على شرعية الحكم الدائم لتيار توهم السيطرة والتمكن.
كل هذه الأخطاء أدت إلى دولة الثورة، تلك التي تلغي فيها الثورة أي منجز للدولة الهشة وتعرقل فيها الدولة اندفاع الثورة، وتتصارع فيها فكرة الدولة مع فوضى الثورة.

إن مشروع الدولة لا يمكن أن يتحقق ما لم تنجز الثورة مهماتها التي ذكرت، أعني قفل ملفات النظام السابق والسيطرة على السلاح بدمجه في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وكتابة الدستور والمصالحة ودمج الجميع في المشروع الوطني الشامل لكل الليبيين. كما على قيادة الثورة أن تظل لجميع القيادات التي قادتها وليس لتيار واحد منها، بل لتحالف وطني شامل من أجل إنجاز مهمة وطنية بأداة الثورة وليس مهمة حزبية ضيقة «فاشية» لإنجاز دولة الحزب الواحد والفكر الواحد والرؤية الواحدة.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»