في كل مرة يقع فيها حادث جوي داخل بيئة مضطربة سياسياً، يتقدّم التأويل على الوقائع، وتُستدعى نظرية المؤامرة قبل استكمال التحقيقات الفنية. هكذا كان المشهد عقب حادث طائرة «فالكون 50» الأخير، حيث تداخل السؤال المهني المشروع مع موجة من التحليلات السياسية التي تجاوزت المعطيات المتاحة إلى افتراضات تفتقر إلى الدليل أو المصلحة الواضحة.
من الضروري، بدايةً، التذكير بحقيقة مستقرة في أدبيات السلامة الجوية: الطيران المدني، بما في ذلك طائرات رجال الأعمال، يُعدّ من أكثر وسائل النقل أماناً وفق الإحصاءات الدولية المعتمدة. وطائرة «فالكون 50» تحديداً ليست طائرة هامشية أو مثار شك تقني، بل منصة جوية معروفة بموثوقيتها، واستخدمتها دول ومؤسسات كبرى لعقود. وعند مراجعة سجل الحوادث المرتبط بهذا الطراز بموضوعية، يتبيّن أن معظم الوقائع كانت نتيجة عوامل بشرية أو ظروف تشغيلية أو أحداث أمنية مباشرة، لا خللاً بنيوياً أو نمطاً متكرراً لعمليات تصفية خفية.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الطائرة نفسها، بل في السياق السياسي الذي تُسقَط عليه الحوادث. فالملف الليبي، بتعقيداته الداخلية وتشابك مصالحه الإقليمية والدولية، بات بيئة خصبة لإنتاج روايات سريعة تبحث عن «فاعل خفي» لكل تطور. وفي هذا الإطار، يُستحضر الوجود التركي بليبيا في كثير من التحليلات، وكأنه قرار آني أو متغير طارئ. في حين أن الوقائع تشير إلى أنه نتاج ترتيبات سابقة وتوازنات إقليمية ودولية أوسع، لا تُدار من طرف محلي واحد، ولا تُحسم بخطاب إعلامي أو موقف فردي.
الأكثر خطورة في هذا السياق هو تحويل أشخاص بعينهم إلى رموز محورية في صراع دولي يتجاوزهم بمراحل. فالمنطق السياسي البارد يبيّن أن الاغتيال، عندما يُستخدم كأداة، يكون موجهاً لإزاحة عقبة مؤثرة أو تغيير معادلة استراتيجية واضحة. أما استهداف شخصيات تنفيذية محدودة التأثير، لا تملك قرار الحرب ولا مفاتيح الثروة، فلا يحقق مكسباً استراتيجياً لأي طرف، بل يضيف طبقة جديدة من الاضطراب إلى مشهد معقّد أصلاً.
ومن هنا يفرض السؤال نفسه: من المستفيد؟ وغالباً ما تأتي الإجابة مخالفة للتصورات الشائعة؛ إذ لا يظهر مستفيد واضح، لا على المستوى المحلي ولا الإقليمي، بل تتبدّى خسارة عامة تزيد من تشابك المشهد وتربك حسابات الأطراف كافة. لذلك تميل القوى الكبرى، حين تسعى إلى تثبيت نفوذها أو تعديل موازين القوى، إلى أدوات أكثر هدوءاً ووضوحاً من افتعال حوادث غامضة أو توظيف كوارث إنسانية كرسائل سياسية.
اليوم، لا يمكن النظر إلى ليبيا بوصفها ساحة صراع محلي فحسب، بل باعتبارها عقدة استراتيجية تتقاطع فيها ملفات الطاقة، والهجرة، والأمن الإقليمي، والتنافس الدولي. موقعها الجغرافي، وثرواتها، ومساحتها الشاسعة، تجعل أي تدخل مباشر أو صدام مفتوح مغامرة عالية الكلفة، وهو ما تدركه الأطراف الفاعلة جيداً. لهذا تُدار التفاعلات المرتبطة بالملف الليبي بخطوات محسوبة، ووسائل سياسية واقتصادية وأمنية معقّدة، لا عبر حوادث عرضية تُقرأ على أنها رسائل دموية.
الخلاصة
ليس كل حادث اغتيالاً، ولا كل مأساة مؤامرة. ففي عالم السياسة الدولية تُدار الصراعات بأدوات أعقد وأوضح من إسقاط طائرة أو تصفية ضابط. وحين يغيب الفهم الرصين، يتقدّم الخيال ليسدّ الفراغ، فيصبح التصديق أسهل من التحليل، ويتشكّل الخطر الحقيقي الذي نواجهه؛ ليس فيما يُحاك ضدنا في الخفاء، بل فيما نتوهّم أنه يُحاك.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات