كيف تكره أناسًا لم تعاشرهم قط؟
في قلب ولاية أميركية، وعلى مائدة غداء جمعتني بأصدقاء يتحدثون العربية، كان حوارا دافئا حتى اقترب منا رجل غريب، لا يحمل سلاحًا في يده، بل يحمل يقينًا في صدره، يقينًا لم يصقله احتكاك، بل صاغته شاشة، وغلفه خوف. قال بوجهٍ عابس: «أنتم العرب تكرهوننا، أنتم قوم سيئون. لم لا تعودون لبلادكم؟». توقف الحوار بيننا.
لم تكن الإهانة هي ما صعقني، بل اليقين الذي نطق به دون معرفة، دون تجربة، دون احتكاك. سأله صديقي بهدوء: «هل تعرف أحدًا منا؟ هل عايشت عربيًا من قبل؟» هزّ الرجل رأسه بالنفي، ثم قال: «لكنكم سيئون». ضحكنا بمرارة، لا سخرية، بل عجزًا عن فك شيفرة الكراهية التي لا تستند إلى شيء.
حين غادرنا كان السؤال الذي يلح في ذهني «كيف يمكن للمرء أن يكره أناسا لم يعاشرهم قط؟» تساءلت: كيف تُولد الكراهية من فراغ؟ كيف تُبنى قناعة دون تجربة؟ أدركت أن ما واجهناه لم يكن رأيًا شخصيًا، وأن تلك الكراهية ليست وليدة احتكاك شخصي، بل هي منتج جاهز، مُعلّب، صُنع في مكان آخر، ووزّع على العقول دون تاريخ صلاحية..... حينها، تذكرت الهنود الحمر.
الهنود الحمر: حين تُصنع الكراهية في الطفولة
في طفولتي كنت أعشق أفلام الكاوبوي: البطل المسلح الذي يدافع عن العرض والأرض، الذي يواجه الـ«همج» البدائيين الذين يهاجمون ويولولون . علّمتني الشاشة أن أكره جماعة لم أقم معها علاقة واحدة.
مع مرور الزمن والقراءة والسفر، اتضحت الصورة: الكاوبوي هم الغزاة، والذين وُصفوا بالهمج هم الضحايا. أدركت أنني كرهت شعبًا كاملًا لأن الشاشة أرادت ذلك، وأن وسائلَ الإعلام لا تروِي القصة فحسب، بل تصوغ وتسوّق كراهية جاهزة تُبتلع دونما تساؤل.
ازدواجية المعايير: حين تدان الهوية لا الفعل
بعد 11 سبتمبر، أصبح الإطار التفسيري لجرائم الإرهاب يتبدل حسب هوية الفاعل: إذا كان أبيضَ يُفصّل الإعلام دوافعه كحالة فردية — «مختل»، «منعزل»، «تطرف فردي». أما إذا كان عربيًا أو مسلمًا، فلا يعود فردًا، بل يتحول إلى ممثلٍ لأمة بأكملها. تُختزل الجريمة في عبارة «تطرف إسلامي»، ويُدان الدين والثقافة، لا الفعل وحده. هذه الازدواجية لا تُرتكب بالخطأ؛ هي صناعة تزرع في الوعي الجماعي خريطة للخوف، تشير دائمًا إلى الاتجاه نفسه. وهكذا، يصبح من السهل تبرير الكراهية، لأن الجريمة لم تعد فعلًا، بل هوية.
تبنّي السردية المُهيمنة: حين نرى أنفسنا بعيون الآخر
لكن الأخطر من أن يُشوّهنا الآخر، هو أن نُعيد نحن إنتاج صورته عنا. أن نرى أنفسنا من خلال عدسة الإعلام الغربي، فنُدين أمتنا بمنطقه، ونُحاكمها بلغته، ونُعيد تدوير الكراهية على ذاتنا كما لو كانت وعياً. حين تصبح السردية المستوردة مرآتنا، نفقد القدرة على التمييز بين النقد والتشويه، بين الإصلاح والإنكار.
إن من يكره أمته باسم «الوعي»، دون أن يُدرك أنه يردد سردية الآخر، لا يمارس نقدًا، بل يُعيد إنتاج الإقصاء. وهكذا، يتحول التشويه إلى تصديق، والآخر إلى ذاتٍ تُدين نفسها قبل أن تُفكر، وتُصادق على حكمٍ لم يُصدره ضميرها، بل شاشة لا تعرفها.
من أين نبدأ؟
أمام طوفان الكراهية المُعلّبة، لا نملك جدارًا حديديًا، بل نملك شيئًا أعمق: الوعي. ليس وعيًا نظريًا، بل وعيًا مشككًا، يقظًا، لا يقبل أن يُلقّن دون أن يسأل. إنه خط الدفاع الأول، وربما الأخير، في معركة تُخاض داخل العقول لا على الحدود.
تسليح العقل يبدأ برفض السردية الجاهزة، وبطرح السؤال قبل قبول الصورة. من يكتب النص؟ من يُموّل الصورة؟ وما الذي غاب عن الكادر؟ يجب أن نبحث عن القصة المفقودة، عن الصوت الذي لم يُسمع، عن الوجه الذي لم يُعرض.
لكن الوعي لا يكفي وحده. فالكراهية تزدهر في الظلام، وتذبل في الضوء. لهذا، فإن الترياق الحقيقي هو اللقاء الإنساني المباشر. أن نحكي قصتنا، لا أن نُترك ضحية لسردية الآخرين. أن نُعرّف بأنفسنا، لا أن نُعرّف من خلال شاشة لا تعرفنا.
وأخيرًا، يجب أن نرفض الشعور بالذنب الجماعي. أن نُدان لأن أحدًا يشبهنا ارتكب فعلًا، هو انتصار للتأطير الإعلامي. واجبنا هو إدانة الجريمة، لا تبرير الانتماء. أن نُحاكم الفعل، لا الهوية. لا تدع أحدًا يكرهك دون أن يعرفك، ولا تسمح لأحد، وخاصةً الشاشة، أن يقرر نيابة عنك من يجب أن تكرهه. فالطريق نحو فهم الآخر يبدأ بلحظة تشكيك واحدة في كل ما يُعرض علينا.
«ربما لا نملك السيطرة على ما يُعرض على الشاشات، لكننا نملك أن نُطفئها حين تُحاول أن تُطفئ إنسانيتنا».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات