Atwasat

دخول سريع للعام 2026!

سالم الهنداوي الخميس 01 يناير 2026, 04:52 مساء
سالم الهنداوي

الأعوام الفارغة من القيم تذهب سريعاً، فلا صدى لصوت العام الماضي سوى صراخ أطفال غزة ونعير «ترامب» من بعيد، ودستات الوعيد «الصهيونية» بلسان «نتنياهو» وجنرالات الحروب ضد كل أشكال المقاومة بعد الإطاحة بجدران المقاومة العتيدة في غزة وجنوب لبنان.. ولتكون «إسرائيل» بعد تدميرها لقلاع الصمود في كامل استعدادها الترساني غير الإنساني المدعوم من الولايات المتّحدة لتوسعة أوهام تحقيق رقعة جغرافية دولتها الكبرى من النيل إلى الفرات.

يبدأ العام 2026 وقد وضعت «إسرائيل» يدها على أخطر المناطق حساسية في خارطة أطماعها، وهي مفاصل الطموح الصهيوني في المنطقة، من الجولان وأرض الدروز في سوريا، إلى أرض الصومال، إلى جنوب اليمن، الى السودان، إلى شرق المتوسط حيث الرهان الثلاثي، الإسرائيلي اليوناني القبرصي، في مواجهة الأطماع التركية المصرية على «الغاز الليبي» السائب في المياه الإقليمية الليبية.. فلا رادع لإسرائيل التي تبسط أطماعها في المنطقة بضعف القرار الإقليمي والدولي، وغياب سيادة الدولة الليبية.

ولا يبدو هذا البسط الإسرائيلي محض صدفة تاريخية، أو فائض قوة عابر، بل هو نتاج فراغٍ مزدوج، فراغ القيم في النظام الدولي، وفراغ الإرادة في الإقليم العربي الذي يرزح خارج قيم الوجود، حيث تآكلت فكرة السيادة ولم تعد الحدود بين البلدان سوى خطوط متقطعة في خرائط المصالح الكبرى. فالعالم الذي يدخل 2026 لا يدخل عاماً جديداً بقدر ما يكرّس لمرحلة كاملة من الهيمنة على جغرافيات صارت مفتوحة وسهلة المنال لأهداف الحلم الصهيوني.

لقد تحوّل الزمن السياسي العربي إلى زمنٍ بلا ذاكرة، تُعاد فيه الجرائم ذاتها بصياغات إعلامية مختلفة، وتُستهلك فيه المآسي كما تُستهلك الأخبار العاجلة التي تتوالى وراء بعضها بأوجاعها ومآسيها.. فغزة لم تعد جرحاً مفتوحاً فقط في ذاكرة التاريخ الإنساني، بل صارت مرآةً لفشل الضمير العالمي، ومختبراً حيّاً لقدرة القوة الغاشمة على سحق القانون، وإعادة تعريف «الإنسان» بوصفه رقماً قابلاً للمحو.. أما صراخ الأطفال، الذي افتتح العام الماضي، فهو ليس صوت الضحية وحدها، بل شهادة إدانة مكتملة ضد عالمٍ يدّعي الحضارة بينما يتقن إدارة الإبادة بلا حدود!

في هذا السياق، لا تأتي عودة «ترامب» أو صعود أمثاله باعتبارهم شذوذاً سياسياً، بل بوصفهم التعبير الأكثر فجاجة عن روح المرحلة الدولية الأسوأ، مرحلة الشعبوية المسلحة بالعنصرية، والبراغماتية المنفصلة عن أي قيمة أخلاقية.. إن صوت النعير «الترامبي» الذي سُمع من بعيد، من واشنطن، لم يكن إلّا إعلاناً همجياً مبكراً عن أن القوة العارية عادت لتكون اللغة الوحيدة المفهومة في العلاقات الدولية، وأن ما تبقى من خطاب حقوق الإنسان ليس سوى ديكور خطابي يُستدعى عند الحاجة ويُهمل عند أول اختبار جدّي حيال الأزمات.

أما «إسرائيل»، فهي المستفيد الأكثر مهارة من هذا التحلل العام. لا لأنها الأقوى عسكرياً فقط، بل لأنها الأكثر قدرة على قراءة لحظة الانهيار الشامل، واستثمارها لأهدافها. فالمشروع الصهيوني، الذي لطالما قُدّم كاستثناء تاريخي محاط بالأساطير، عاد اليوم إلى جذره الأول كمشروع توسّعي كلاسيكي، يستند إلى القوة، ويستثمر في تفكك خصومه، ويستعير من الخطاب الديني ما يبرّر أطماعه الجغرافية. من الجولان إلى جنوب لبنان، ومن تخوم سوريا إلى ممرات البحر الأحمر، يتقدّم هذا المشروع بخطى هادئة، واثقة، كمن يعرف أن لا أحد يملك الإرادة لإيقافه.

الأخطر في مشهد 2026 ليس اتساع الأطماع الإسرائيلية بحدِّ ذاتها، بل غياب أي أفق عربي أو إقليمي جامع في مواجهتها. فالدول التي أنهكتها الحروب الداخلية، أو استنزفتها صراعات الوكالة، أو كبّلتها التبعية الاقتصادية، لم تعُد قادرة حتى على إنتاج خطاب مقاومة متماسك، ناهيك عن فعل سياسي أو فعل عسكري منظّم.. وهنا بالذات، تتبدّى المفارقة القاسية، فبينما تُدان المقاومة بوصفها «خطراً على الاستقرار»، يُقدَّم التوسّع الإسرائيلي باعتباره «إدارة أمنية للمنطقة»!

أما شرق المتوسط، هذا المسرح الجديد- القديم للصراع، فقد تحوّل إلى مختبر مفتوح لتشابك الطاقة بالسياسة، والغاز بالخرائط، والتحالفات البحرية بإعادة رسم النفوذ. فالرهان الإسرائيلي، اليوناني، القبرصي ليس مُجرّد شراكة اقتصادية، بل هو محاولة لتثبيت معادلة «جيوسياسية» جديدة، تُقصي الفاعلين التقليديين، وتعيد ترتيب موازين القوة في المنطقة على حساب دول مأزومة أصلاً، مثل ليبيا، منزوعة الإرادة، التي تحوّل «غازها السائب» إلى غنيمة بلا حارس، تتنازعها الأطماع من دون أن تملك لنفسها صوتاً وازناً في تقرير مصير ثروتها وثرواتها المنهوبة منذ سقوط نظام القذافي الذي كان يمنع مثل هذه الاعتداءات السافرة على السيادة الليبية ومياهها الإقليمية، وكان أثبت ذلك مراراً مع دول حوض المتوسط، وفي المواجهة المباشرة في الثمانينيّات مع الولايات المتّحدة!

في المقابل، تبدو تركيا ومصر محاصرتين بحسابات معقّدة، فالأولى مثقلة بتمدّدها الإقليمي وتناقضاته، والثانية مكبّلة بأزماتها الاقتصادية وتحالفاتها الهشة. وبين هذا وذاك، تتآكل فكرة الأمن القومي العربي، لا بفعل الضربات الخارجية وحدها، بل بفعل العجز عن تحويل التهديد المشترك إلى مشروع مواجهة مشترك.

أمام تحدّيات الراهن، يدخل العام 2026 بوصفه عاماً مفصلياً، لا لأنه يحمل بالضرورة أحداثاً استثنائية، بل لأنه يرسّخ ما قبله، ويمنحه بلاغات «التطبيع» الأساسية في العلن، مثل التطبيع مع القتل والإبادة بلا رادع قانوني ولا أخلاقي إنساني، ومع الاحتلال بغطرسة القوّة، ومع الإذلال الجماعي للأنظمة العربية، والذي صار جزأً روتينياً يومياً في نشرات الأخبار العربية، وبذلك أصبح الخطر الحقيقي ليس فيما قد يحدث، بل فيما لم يعُد يُدهشنا حدوثه!

ومع ذلك، ورغم هذا السواد الكثيف الذي يجتاح سماء المنطقة، لا تزال الأسئلة الكبرى معلّقة: هل يمكن لهذه المنطقة أن تستعيد قدرتها على إنتاج معنى للمقاومة خارج الشعارات؟.. وهل يمكن للسياسة أن تعود فعلاً أخلاقياً لا مُجرّد إدارة مصالح؟.. وهل يستطيع الإنسان العربي، المرهق بالخسارات الفادحة والخيبات الجمّة والانكسارات، أن يرى في العام الجديد فرصة لإعادة تعريف ذاته، لا بوصفه ضحية دائمة، بل فاعلاً تاريخياً؟!

إن دخول العام 2026 ليس عبوراً عادياً في زمن توتّرات جائحة، بل اختبار قاسٍ لما تبقّى من وعينا الجمعي في زمنٍ ينكفئ عنوةً إلى القوّة. فإما أن نواصل الانزلاق نحو أعوامٍ فارغة من القيم، تذهب سريعاً في الزمن كما جاءت سريعاً مع البهتان والخذلان، أو أن نكسر هذا التسارع العبثي باستعادة الوعي بالقدرة على الثبات القيمي بحتمية المواجهة، فنعيد للزمن معناه في الوجود، وللصراع القائم بُعده الوجودي، وللتاريخ حقه في أن يكتب ملاحم التضحيات قبل أن تغادرنا السنين عجافاً، كبيساتٍ كسالفاتها.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»