قبل أيام أصدرت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا بياناً أعلنت فيه البدء بإعداد ونشر اللوائح التنظيمية لانتخابات رئيس الدولة ومجلس النواب. البيان في ظاهره تقني بحت، يتحدث عن لوائح الطعون والمنازعات الانتخابية وتحديث سجل الناخبين والميزانية التقديرية.
غير أن قراءة متأنية للسياق الذي صدر فيه تكشف عن رسائل سياسية بالغة الكثافة، تتجاوز كثيراً حدود الإعلان الإجرائي.
فخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت الضغوط على المفوضية من جهات متعددة. داخل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، برزت دعوات لإعادة تشكيل مجلس إدارتها و- ربما - تعيين رئيس جديد، بحجة تصحيح وضعها القانوني وتطوير حوكمتها.
مفوضية محاصرة: تغيير ومحاصصة
ومعلوم أن جزأً من هذه الدعوات يرتبط بمشروع تقاسم المفوضية بين معسكري الشرق والغرب وفق محاصصة جهوية، على غرار ما حدث في مؤسسات سيادية أخرى. في هذا المناخ، يأتي البيان كحركة مضادة محسوبة بعناية.
أول ما يلفت الانتباه هو الإفراط في التفاصيل القانونية والزمنية. البيان يذكر أرقام اللوائح بدقة، ويحدد تواريخ مرجعية تعود إلى أكتوبر 2023، ويرسم أفقاً زمنياً يمتد إلى أبريل 2026.
هذا الكم من التفاصيل ليس موجهاً للقارئ العادي؛ بل هو ملف دفاع مؤسسي يقول إن المفوضية الحالية تعمل وتنجز، وإن أي محاولة لتغيير قيادتها في هذه اللحظة ستعني تعطيل قطار بدأ فعلاً بالتحرك.
الرسالة الثانية تتعلق بنقل المسؤولية: البيان يكرر مناشدة مجلس النواب للإسراع في اعتماد الميزانية، ويربط قدرة المفوضية على الالتزام بالموعد المحدد بتوافر التمويل والتشريعات اللازمة. تقنية (Blame avoidance = تجنب اللوم) مفهومة تماما، وعبر توظيف مفاهيم التضامن والتشاركية، من خلال صيغ مثل «شركاؤنا في العملية الانتخابية» و«تحمل واجباتهم» فهي توزع العبء النفسي والسياسي على الجميع.
عرقلة بلغة قانونية لتثبيت الشرعية
هنا ترسم المفوضية عقداً سياسياً ضمنياً مع الرأي العام: نحن نتقدم بخطوات ملموسة، وإذا تعثرت العملية فالمسؤولية تقع على السلطة التشريعية لا علينا. إنها استراتيجية كلاسيكية لتجنب اللوم في بيئة سياسية يبحث فيها الجميع عن كبش فداء.
ثمة بعد آخر لا يقل أهمية يتعلق بالجمهور الدولي. المفوضية تحظى بدعم مالي وتقني من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وتُعدّ من آخر المؤسسات الليبية التي تحتفظ بدرجة من المصداقية المهنية.
اللغة المنضبطة والأرقام الدقيقة في البيان موجهة أيضاً للسفارات والبعثات الدولية، لتقول إن هذه المؤسسة ناضجة وقادرة، وإن استبدال قيادتها الآن مغامرة غير محسوبة.
إدارة نفسية لاستقطاب صراعي
من منظور علم النفس السياسي، يمكن قراءة البيان كآلية دفاع عن الهوية المؤسسية، في مواجهة خطر وجودي. المؤسسات التي تشعر بالتهديد تميل إلى المبالغة في إظهار الانضباط وتوثيق خطواتها علناً لحماية سمعتها.
البيان ينتهج محاولة للحفاظ على مسافة مهنية من الاستقطاب السياسي الحاد، عبر التأكيد المتكرر على الطابع التقني والقانوني للمفوضية. وهذه المسافة ضرورية نفسياً لمنح العاملين فيها سردية ذاتية مفادها أنهم يؤدون عملاً وطنياً محايداً، لا يخدم معسكراً ضد آخر.
في المحصلة، البيان وبلغة قانونية هادئة، وجمل سياسية حادة للغاية: ومفاده بوضوح الخلل في المنظومة السياسية لا في المفوضية، واستبدال قيادتها الآن ليس إصلاحاً بل مخاطرة بتأجيل الانتخابات لسنوات إضافية.
هو دفاع استباقي – أو مستمر - عن البقاء، مغلف بلغة الإجراءات واللوائح، في لحظة تتقاطع فيها الضغوط الداخلية مع التدخلات الخارجية، ويبقى المواطن الليبي ينتظر صندوق اقتراع لم يصل إليه منذ أكثر من عقد.
ما يقوله هذا البيان بهدوء قانوني هو ما يرفض الجميع سماعه بصوت عال وواضح، وناورت المفوضية طويلا لتخفيه، حفاظا على وجود قيادتها في موقعها، وحديثها الآن يدينها مثلها مثل الآخرين بلا فرق.
ليست عقدة ليبيا في نصوص لوائح المفوضية ولا في توقيع رئيسها، بل في طبقة سياسية - بمن فيها رئيس المفوضية - امعنت في تحويل الانتخابات إلى فزاعة تفاوضية لا الى استحقاق ملزم.
من يطالب بتغيير مجلس إدارة المفوضية اليوم وهو يعلم أن القوانين نفسها لم تستكمل، والميزانية لم تعتمد، والبيئة الأمنية والسياسية لم تحسم، لا يبحث عن انتخابات أفضل بل عن ذريعة جديدة لتدوير نفس الحلقة.
هل هناك فعلا من يريد انتخابات؟ ما لم يجب الفاعلون - والسيد عماد السايح مثلهم وأكثر- عن هذا السؤال بشجاعة، سيظل كل بيان جديد للمفوضية مجرد وثيقة أخرى تضاف إلى أرشيف الهروب الكبير من إرادة الليبيين.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات