نحن القاطنين علي شريط البحر المتوسط، الممتد من مصر شرقا إلى تونس غربا، عشنا جماعات وقبائل علي مدى الزمن، جمعنا ما هو مشترك، وتجاوزنا به عزلة الصحراء ومساحاتها الوعرة والمتعبة. سرنا في التاريخ، وسارت معنا أحلامنا للمستقبل. في كل يوم تنمو هويتنا الخاصة بفنوننا وثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا، وحرصنا علي المصلحة المشتركة. انتصرنا علي الهفوات، بل والانكسار. واجهنا الاستعمار الذى زاد هويتنا توهجا واشتعالا، وكان لا بد لهذا الحلم والألم أن يصل مبتغاه.
فهم الأجداد اللحظة التاريخية المناسبة التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية، عندها أُنجز الاستقلال.. هذا يوم التأسيس. أيادٍ ليبية تدير البلد، كيان سياسي معترف به، سيادة وطنية، غرست شجرة الدولة الغطاء القانوني والسياسي للكيان، بدأت المسيرة التاريخية نحو الاكتمال، تضافرت الجهود لتغذية هذا الوليد، الكيان السياسي أصبح حقيقة لكنه يستحق المزيد. كان الأمل أن تتم تغذية الشجرة كل يوم بفكر جديد، يمنحها القوة لتزداد نماء.
قادت المسيرة زعامات قدموا تنازلات حماية لهذا الوليد، لكنهم ظلوا أسري للبني التقليدية. كما أنهم لم يدركوا أن التاريخ قد يأتي أحيانا في شكل مأساة وارتداد. في عام 1969، دخلت البلاد في مرحلة أخري، وظروف تاريخية مختلفة، عندما كان الفكر القومي يسود في بعض البلاد العربية، وكانت له ارتداداته في ليبيا، بدأ التاريخ الخاص يتوقف، توقف التراكم الذى يغذي شجرة الكيان. تبنت السلطة الجديدة خطابا آخر نقيضا لما قبله، ومقطوع الصلة به، حاضر جديد لم يفهم أنه ابن الماضى الوطنى، أُجهض العمل الحزبي المنظم، وشُجعت بدلا منه روابط القبائل حين فتحت مقراتها في أكبر مدينتين في البلاد.
أظهرت السلطة الجديدة عداء لما قبلها بخطاب ومبررات هي نفسها أصبحت ضحية لها، غرقت البلاد في خطابات قومية حملت الكثير من الشطط، المعارضة تماهت مع المشهد السياسي العربي بكل تنوعاته، ولم تنتج خطابها الذى يحمل هويتنا الخاصة. رفعت السلطة الجديدة شعارات أن التاريخ بدأ في يومها. هنا بدأ الانكسار وانقطاع التواصل والخروج من الذات. هذه اللحظة كشفت لنا متأخرا أن هويتنا ما زالت وليدة، وتستحق مزيدا من العطاء.
هنا بدأ تحقيب التاريخ، تلاشي جزء منه وأُعيد تأويله بما يخدم الحاضر الجديد، ظهرت أجيال جديدة لا تعلم ماذا حدث، ومن شيد البدايات، وما لهم وما عليهم، ساد خطاب الزعيم الفرد الذى يصنع التاريخ في فهم بسيط لدور الفرد في التاريخ. كما لم يخطر في ذهن هذا المنطق أن الزعيم العظيم قد يكون مصيبة عظيمة، وأن المجتمع الذى يقطع تراكم تجربته يقطع مسيرته الخاصة، ويزيل المشترك بين أجياله، وليس هناك من يفكرون في أن تلك الحماقة قد تتكرر معهم.
أذكر أن إحدى الشخصيات القريبة من دوائر زمان اشتكى من أن هناك من لم يكترث لملاحظاته وتوجيهاته من شبابهم، فعادت بي الذاكرة عندما وجدت عميد الكلية يجلس على كرسي خشبى. وعند سؤالى ما الذى حدث، كانت إجابته ودمعة تنسال وراء نظارته: أبنائي شمعوا المكتب وتركوني خارجه. كان ذلك أول عمل للجنة طلابية في كلية الحقوق بعد عام 2011، حيث ساد خطاب استبعاد كل ما هو قديم.
صدر قانون العزل السياسي دون أن يسبقه تفكير هادئ، ورؤية موضوعية لما سبق من أحداث وشخوص، أو أن ذلك قد يمس كيان الدولة ويوقف التراكم. لم يتم إدراك أن القانون الجيد والمشروع الجيد هو لمصلحة البلد. استمر الدوران في الحلقة المغلقة، بأخطاء وأضرار أكثر. كل ذلك أضعف الدولة، بل الكيان. الإهمال والتجاهل والإقصاء، بل والعداء المغلق، مازالت المطرقة التي تهشم تاريخنا.
كيف يمكننا أن نتحدث عن مسيرة متصلة وتاريخ مشترك ونحن نرى فيه حقبا منفصلة. لنتصالح مع تاريخنا، ونكن فخورين به، بكل تنوعاته، عبر رؤية عقلانية موضوعية، مسؤولة، لأحداثه ورموزه وشخوصه.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات