يعد الأديب الأردني غالب هلسا (1932-1989) أحد رموز الثقافة العربية في القرن العشرين الذين مارسوا الكتابة الثقافية باستقلالية، وضعت أعماله الأدبية والنقدية والفكرية في مكانة متميزة. وقد عاش ما بين القاهرة وبغداد وبيروت، وكان متميزا بجرأته في تناول مواضيعه، فلُقب بـ«المثقف المنظّر» أو «المحارب»، ومن أعماله المتميزة رواية «الضحك».
وبسبب أفكاره، عاش مطرودا ومغتربا وملاحقا من الأجهزة الأمنية، ورحل عنا العام 1989، وعاد إلى وطنه، ولكن داخل كفن، وظل مُكرما في المشهد الثقافي منذ ذلك الحين.
لقد كتب هلسا، رحمه الله، في صحيفة «الدستور»، مؤكدا أن الروائي الأمريكي «إرنست همنجواي» كان له تأثير واضح في أسلوب الكتابة العربية الجديدة، التي تجاوزت المدرستين اللتين سادتا الحياة الثقافية والأدبية العربية في ستينيّات القرن الماضي، وهما: المدرسة الرومانسية والواقعية الاشتراكية العربية، مبرزا أن «تقنية همنجواي تُسمى نظرية (جبل الجليد العائم)، التي تقوم على تصوّر جبل جليد يظهر خُمسه فوق سطح الماء، بينما أربعة أخماسه الأخرى مغمورة في الماء، وتشكل الكتابة الخُمس البادي للعيان. أما الأخماس الأخرى فهي متروكة للقارئ، كي يعرفها من خلال ذلك الخُمس الظاهر».
وفسر ذلك على نحو أنه يرى شخصيا أنه يستحق القراءة، وأنه ليس نقدا، أو تفسيرا لفكر همنجواي، ذلك لأن كلا من المرحومين: صادق النيهوم وخليفة الفاخرى تناولا، في ستينيات القرن الماضي، كتابات همنجواي، وقدماه لنا ككاتب عالمي إنساني يستحق أن نقرأ إنتاجه ونتدبره! وبالفعل عرفنا الكثير عنه من خلال ما كتباه.
غير أن ما كتبه الأديب المرحوم غالب هلسا يستحق تناوله، لأنه أبرز نقاط لم أنتبه إليها -شخصيا- من قبل، على الرغم أنه كتبها في وقت قراءاتنا عما كتب عن همنجواي، بعد أن شاهدنا فيلم «العجوز والبحر»، الذي نال عنه الممثل «سبنسر تريسي» العام 1959 جائزة الأوسكار. كما نال همنجواي عن قصة هذا العجوز جائزة نوبل!
أود أن أضيف بمقالي هذا بضعة معلومات تضيف إلى ما عرفناه، وأيضا تناولناه، مما قرأناه في ستينيات القرن الماضي من كتابات كل من المرحومين: صادق النيهوم وخليفة الفاخرى، وغيرهما عن همنجواي، الذي قدماه إلينا منوهين إلى أنه كاتب عالمي إنساني يستحق أن نقرأ إنتاجه ونتدبره!!
ولقد استهل الأديب غالب هلسا مقالة له عنوانها «شباب همنجواي»: «كان همنجواي يقول عن الفنان الذي يعمل في الصحافة: في العمل الصحفي يجب أن تتعلم أن تنسى كل يوم ما حدث في اليوم السابق، وظل كثيرا ما يقارن بين الحرب والعمل في الصحافة، مؤكدا أن كلا منهما مهم للكاتب، ولكن عندما يحس الكاتب بأن الصحافة كالحرب تدمر الذاكرة، فعليه أن يتخلى عنها بسرعة! لهذا السبب تخلى عنها سريعا عندما أحس بأنها أصبحت خطرا يهدد موهبته، حينها كان شابا لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره».
وحينها فيما يبدو قد تعلم بسبب الصحافة كيف يكتب الجُمل القصيرة، وهذا ما يلاحظه من يقرأ روايات همنجواي بجملها المباشرة القصيرة، وتأثر أيضا بكاتبة أمريكية معروفة، كانت تقيم في باريس، اسمها «جرترود شتاين»، وهي التي كتب لها يقول: «كانت الكتابة سهلة قبل أن أعرفك»، وهي التي قال عنها: «لقد نصحتني بهجر الصحافة، لأن الصحافة تمتص الطاقة الخلاقة التي يجب أن أوجهها للكتابة الحقيقية». ويستطرد: «كانت على حق، وكانت تلك أحسن نصيحة وجهتها لي!».
ويقال عنه إن «أهم صفاته على الإطلاق هي قدرته المذهلة على العمل دون كلل. كان يدقق في كتابة أعماله تدقيقا قلما نجد مثيلا له بين الكتاب». وقيل ذات مرة إنه أعاد كتابة بعض أجزاء روايته «وداعا للسلاح» تسعا وثلاثين مرة!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات