Atwasat

أسامينا

سالم العوكلي الثلاثاء 25 نوفمبر 2025, 02:25 مساء
سالم العوكلي

منذ ثلاثة أعوام تقريباً، شاهدت فيلم The Namesake حامل الاسم أو (السّمي) ويحكي حكاية أسرة هندية انتقلت للإقامة في الولايات المتحدة، رب الأسرة أطلق على ابنه اسم غوغول تبركاً بالكاتب الروسي الذي كان سبب نجاته من حادث قطار أليم في الهند، وحين ينتقل الأب بأسرته إلى أميركا لإكمال دراسته مع طفله الحامل اسم الكاتب الروسي، سيصبح الاسم الغريب أداة تفكه وتنمر من أقرانه في المدرسة أو رفاقه، وأصر على تغيير اسمه إلى (نِك) ضمن رغبة عارمة لديه بالاندماج في المجتمع الجديد.

لأكتشف بعد اطلاعي على مقالة الروائية والسينمائية، عبير داغر إسبر، عن أفلام نايير، أن مخرجة الفيلم هي ميرا نايير والدة عمدة مدينة نيويورك الحالي زهران ممداني الذي وصفه ترامب بالشيوعي الذي يسعى لتدمير نيويورك، وهدد بإعادته إلى مسقط رأسه أوغندا.

تقول إسبر في مقالتها: «... أما في «حامل الاسم» (The Namesake) عام 2006، المقتبس من رواية جومبا لاهيري، فترسم نايير ملامح الجيل الثاني من المهاجرين الذين لا يعرفون إنْ كانوا من هنا أم من هناك». لا تتوقف عبير عند قلق الأسماء وعلاقة تغيير الاسم بالهوية وبفكرة الاندماج، ربما لأن الأمر كما في أغنية «أسامينا» التي لحنها فيلمون وهبي وغنتها فيروز «الأسامي كلام .. شو خص الكلام ...» لكن حين تختلط الأسماء بفكرة الهوية أو بالشبهة والتوجس منها، فهنا «يخص الكلام».

فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أصبح اسم (أسامة) العربي القديم مثار شبهة في كل مطار، وما أكثر الأسماء التي بسببها توقف العديدون في مكاتب التحقيق لساعات طويلة، وكم قضى أبرياء فترات في السجن بسبب «تشابه في الأسماء». وربما التوجس من الأسماء ما جعل جمهور ليفربول الصاخب يختصر اسم اللاعب المعشوق لديهم محمد صلاح في Mo وكفى الأسماء شر الاشتباه.

تضيف إسبر المهاجرة إلى كندا: «حين يتحدث عمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني عن العدالة الاجتماعية واندماج المهاجرين وعدالة القضية الفلسطينية، لا يمكن فصل صوته عن صوت الثقافة والفن والعدل والجمال والانتماء في أعمال (أمه) ميرا نايير، التي لم تكن مخرجة للهند وحدها، بل للهند المهاجرة، ولكل من اختبر تغيّر رقعة الأرض الجغرافية تحت قدميه في موجات الهجرة الأخيرة، سواء بسبب الفقر أو بسبب الحروب».

يحدث أن يتسبب شغف الآباء بقادة سياسيين، يطلقون أسماءهم على أبنائهم، في مشاكل عديدة طوال أعمارهم، فيأكل الآباء الحصرم ليضرس أبناؤهم، وقد يُسمَّى الابن على ثوري جامح قام بانقلاب عسكري، ثم مع الوقت يتحول هذا الثوري إلى طاغية وسفاح لشعبه، مكروه ومزدرى، وقد يطاح به في ثورة عارمة، لكن يظل كل من حمل اسمه كمن يحمل إثماً في بطاقة هويته.

أتذكر من المشاهد التي تداولتْها وسائل الإعلام بعد ثورة فبراير وما حدث من تنكيل بالمتظاهرين، مشهدَ شاب سوداني قابع أمام سجل النفوس في الخرطوم من أجل تغيير اسمه المركب (معمر القذافي) الذي أطلقه عليه والده ذات وجد ثوري. ومع تغير الحقب السياسية يدفع الأبناء ثمن شغف آبائهم بكاريزما الزعماء الذين لن يطول الوقت ببعضهم أو معظمهم حتى يخونوا هذا الميراث، ليتحول الاسم إلى ذكرى خيانة يحملها معه أينما حل.

في مراحل معينة لاحظت في درنة أن أسماءً من مواليد الخمسينيات لم تكن متداولة من قبل دخلتْ القاموس في سجلها المدني، وهي تعكس حقباً سياسية وأحلاماً وآمالاً معظمها للأسف تحول إلى أوهام. أسماء مثل ناصر أو جمال أو نجيب أو عارف، وبعد غزو أميركا للعراق انتشر اسم صدام في دول عربية عديدة ما عدا التي منعتْهُ، وفي زمنٍ ما ظهرت أسماء أخرى في دول عربية مثل لينين أو جيفارا أو شواين لاي وغيرها (درس معي في كلية الزراعة بالبيضاء طالب مصري اسمه شواين لاي)، وغالباً كان وهج الأيديولوجيا ورموزها يخفت أو ينطفئ تاركاً خلفه تلك الأسماء عاريةً كأطلال الحضارات الغابرة.

أتذكر جيداً في يوم 16 نوفمبر 1984 مشهد اغتيال رئيس الوزراء الليبي السابق عبدالحميد البكوش المسجى في دمه في زاوية من مقابر الغفير شرق القاهرة والذي بثه التلفزيون الليبي كأحد إنجازات أو انتصارات ثورة الفاتح العظيم، وحيث للمرة الأولى أسمع استخدام فعل تجييف بدل تصفية أو اغتيال، لكن المشهد كان مفبركاً ضحكَتْ به المخابرات المصرية على القذافي ومخابراته وإعلامه، وسرعان ما ظهر اللواء أحمد رشدي، وزير الداخلية المصري في ذلك الوقت، على شاشة التلفزيون المصري، وبجواره عبدالحميد البكوش، وقال وقتها جملته الشهيرة «Bakosh is alife». ولكن ما علاقة هذه الحكاية بما سبقه ذكره؟ حسنا سأجد رابطاً يتعلق بالسَّمِي أو بالألقاب التي تسبغ علينا وتصبح جزءاً من سيرتنا ومجلبة للحيرة والارتباك.

لم تكن لدي في ذلك الوقت معرفة مهمة بسيرة البكوش الذي قرأت عنه فيما بعد، لأن المناهج خلت والمكتبات أيضاً من كل ما من شأنه أن يُعرّفنا، كجيل تفتح مع الانقلاب، على تاريخ بلدنا السياسي أو نخبه السياسية المهمة التي أسهمت في تأسيس الدولة الوطنية الليبية، حيث التاريخ كله بدأ من يوم الانقلاب. لكن سماعي للقب البكوش في أول خبر في النشرة ذكرني مباشرة بيوم عيد الفطر الموافق عام 1967 عندما كان عمري 7 سنوات، حيث أحضر لي أبي بدلة سوداء، أو كما نسميها كسوة العيد، وقميصاً أبيضَ مع ربطة عنق، تباع كلها حزمة واحدة، وارتديتها يوم العيد مع حذاء أسود.

وحين ذهبت لأعيّد على خالتي ورآني زوجها عمي محمد بوزهرة أطلق علي فوراً لقب البكوش، وعَلِقَ بي هذا اللقب لفترة دون أن أفهم ماذا يعني، ووصل حتى إلى أقراني في المدرسة، وكنت أجد حرجاً في ارتباطي باسم جديد لا أفهمه يبدو أن في إيقاعه نبرة سخرية أو تهكم قبل أن أعرف قيمة هذا اللقب فيما بعد في تاريخ الدولة الليبية، وأكتب بعد سنين طويلة أن البكوش كان أحد الفرص الضائعة في تاريخ ليبيا.

كانت جارتنا، قبل ذلك، قد سمت ابنيها التوأمين (بقوشة، وشقلوف) وهي أسماء (مشقعبة) من شأنها كما يُعتقد أن تبعد الحسد والعين على الأطفال كي يعيشوا، وكانت مصدر تنمر الأقران وحرج لأولئك الأطفال في المدرسة، وكنت أعتقدتُ وقتها أن اسم البكوش يأتي في هذا السياق.

حين انتقلتُ إلى مدينة درنة العام 1985 للعمل في قطاع الزراعة كان اسمي في أوراقي الرسمية لا يحمل لقب (العوكلي) ولا أحد من قريتي أو من الطلاب الذين درسوا معي في الجامعة يعرفني بهذا اللقب، لكن أصبح جميعُ من في قطاع الزراعة ينادونني (يا عوكلي) لدرجة أني لا أنتبه أحياناً لأني غير متعود على هذا النداء، ثم أصبحتْ الرسائل الرسمية تخاطبني بهذا اللقب، وربما كان المقصود، بوعي أو دونه، أن يكون وصماً من شأنه أن يحول بيني وبين الاندماج في بيئتي الجديدة.

ولسبب استسلامي له واعتماده في النهاية حكاية كتبتُها في إحدى رسائلي للشاعر عاشور الطويبي المنشورة في كتاب (أثر الطائر في الهواء) في سياق حديثنا عن بيت درنة الثقافي: «موقفي كان أن يُسلَّم هذا الصرح الثقافي للشبان، وانسحبت منه.

أصر أصدقائي على أن أبقى - ولو شكليا- رئيسا للبيت، وبقدر وجاهة ما يطرحونه من رأي إلا أن السبب مؤسف حد الأسى أخي عاشور، وسأوجزه في هذه الحكاية؛ لقب العوكلي ليس جزءاً من اسمي، ولا يوجد في إجراءاتي الرسمية، لكن حدث في آخر الثمانينيات حين انتقلتُ للعمل في درنة أن نشرتُ قصيدة في مجلة الناقد تحت اسم سالم عبدالرازق، وحين قرأها شخص له لوثة عنصرية يدافع عنها علنا، قال لي ما فحواه: أفضل ما فعلت أنك لم تكتب لقبك تحتَ النص (العوكلي). والسبب بالنسبة له أني لو كتبتُه لن يقرأها أحد.

لا أذكر ما إذا كنت وقتها ضحكت أم تجهمت، لكني قلت له: من هذه اللحظة سأعتمد هذا اللقب، وإذا حدث أن كتبت شعراً مهما سيصبح هذا اللقب حرفا موسيقيا. وكان الأمر مجرّد عناد قروي». ويُروى أن نزار الذي كان لقبه اقبيق في بداياته، نصحه صديق بأن يستعير لقب العائلة الشهيرة قباني بدل اقبيق من أجل أن يُقرأ شعره ويشتهر، وهذا ما فعله دون تردد.

بعد تحرير درنة من الجماعات الإرهابية، بدأتْ صراعات قبلية محمولة على ما حدث قبل التحرير ورواسبه. فأضيف في رسالتي إلى عاشور: «حين أراد مني الأصدقاء أن أستمر في موقعي على رأس البيت الثقافي، صارحوني علانيةً أن وجودي بهذا اللقب سيحمي البيت. يا للمفارقة المؤلمة! أحسست بألمٍ كبير وبارتباك، ففي كلتا الحالتين كان هذا اللقب قاتلا، ومصدر شُبهة، أنا الذي لا علاقة لي بالقبيلة، وكثيراً ما اعتبرتُ أصدقائي من كل ليبيا وخارجها هم قبيلتي».ولم يرُدْ عاشور الطويبي في رسالته التالية على هذا الهراء الجيني، وهو الذي يحمل لقبه الخفيف العائد إلى بلدته الريفية الجميلة الطويبية.

والأسامي كلام ... لكن، خص الكلام. مع اعتذاري للشاعر الجميل جوزيف حرب.

*عبير داغر إسبر (ميرا نايير تكتب بأفلامها وأمومتها سيرة الهجرة الأكثر اندماجاً) موقع ultrasawt.com 7 نوفمبر 2025

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»