Atwasat

ليبيا تقتل بناتها: من خزان مصراتة إلى سيارة السراج: من التالية؟

طارق القزيري الثلاثاء 25 نوفمبر 2025, 01:35 مساء
طارق القزيري

بين جثة طبيبة عثر عليها في خزان صرف صحي في مصراتة، وجثة شابة ناشطة وصانعة محتوى أطفئت بالرصاص وهي تهرب من سيارتها ـ كما قيل - في السراج بضواحي طرابلس، لم يعد السؤال: من القاتل؟ بل: كم شريكا صامتا في هذه الجرائم؟

اليوم 25 نوفمبر، اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، بينما ليبيا تقدم للعالم نموذجا مكثفا لما يعنيه سقوط الدولة: نصف مجتمع مكشوف تماما أمام عنف أسري مسكوت عنه، وسلاح منفلت، وخطاب كراهية متصاعد ضد النساء.

بيت يتحول إلى مسرح للجريمة
المفترض أن البيت هو المكان الأخير الذي تشعر فيه المرأة بالخطر. الطبيبة التي انتهت جثتها في خزان صرف صحي لم تسقط في اشتباك مسلح، ولم تقتل في هجوم إرهابي؛ بل خرجت من قلب بيتها نفسه. من دائرة يفترض أن تحتضنها لا أن تخفي آثار موتها.

العنف الجسدي لا يبدأ عند لحظة القتل. يبدأ عند الصفعة الأولى التي تمر بلا تعليق. عند الشتيمة التي تعتبر دعابة عائلية. عند التهديد الذي يسمعه الجيران والأقارب فيصمتون بحجة أنه أمر داخلي.كل امرأة تُقتل اليوم سبقتها سنوات من الإهانات، من التحكم في حركتها، من تكسير صوتها وقرارها. وحين تنتهي هذه السلسلة بجثة في خزان، فهذا ليس انفجارا مفاجئا، بل نتيجة منطقية لبناء كامل سميناه تربية وتقليدا وعائلة ومصلحة البنت.

شارع يطارد النساء ثم يشيح بوجهه
في مصراتة وطرابلس وبنغازي وسبها وغيرها، تعرف النساء شكل الشارع الليبي جيدا: نظرات تلاحق أجسادهن، كلمات مقذعة، ملاحقة بالسيارات، دعوات ملغومة للركوب أو التعارف، وتهديد مباشر أحيانا لأن امرأة قررت أن ترد، أو أن ترفض، أو أن تصمت.

جريمة اغتيال الشابة الناشطة وصانعة المحتوى قرب جنزور ليست خارج هذا السياق. أيا كانت تفاصيل التحقيق النهائي، فإن رصاصة الشارع خرجت من مناخ كامل سبق الجريمة:
مناخ يعتبر أن المرأة التي تظهر، وتتحدث، وتنتج محتوى، وتبني حضورا علنيا، مستفزة ومتجاوزة للحدود، وبالتالي يصبح التعدي عليها أسهل تبريرا في وعي كثيرين، حتى لو لم يضغطوا الزناد.

السلاح الذي اخترق جسدها خرج من فوهة واحدة، لكن الرصاصة صنعتها عقول وألسنة كثيرة: كل من شارك في حملات تنمر وتشهير ضد نساء لمجرد أنهن حاضرات في الفضاء العام، كل من برر أو خفف من شأن العنف ضدهن، كل من رأى في وجودهن على الشاشة تهديدا لقيمه، ولم ير في العنف الموجه إليهن تهديدا لبلده ومستقبله.

عنف نفسي دائم في الخلفية
المرأة التي يتم كسر ثقتها بنفسها، وتكبيلها بالخوف من الفضيحة، لا تذهب بسهولة إلى مركز الشرطة، ولا ترفع سماعة الهاتف لتطلب النجدة. وغالبا ما يكون أول من ينصحها بالصبر والستر نساء أخريات تعودن بدورهن على اعتبار الألم قدرا لا يقبل التغيير.

هنا يصبح اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة مجرد مناسبة جديدة لتذكير الضحايا بأنهن وحدهن في مواجهة منظومة كاملة، ما لم يتحول هذا اليوم إلى لحظة مساءلة حقيقية للدولة والمجتمع معا.

قانون بلا أنياب ومجتمع متواطئ
كثير من مراكز الشرطة غير مهيأة لاستقبال شكاوى النساء، ويُضغط على الضحية للتنازل حفاظا على البيت والأبناء. القضاء مثقل، والإجراءات بطيئة، والرسالة الضمنية واضحة: حياتك (كما الضعفاء) أيتها المرأة ليست أولوية

حسنا سيكون السؤال ما العمل؟ في بلد يقتل بناته في الخفاء والعلن، لا يكفي أن نرفع شعارات التمكين وحماية المرأة. هناك خطوات ملموسة لا بد منها إذا كانت حياة النساء تعني شيئا لهذه الدولة ولمجتمعها: لماذا لا تصدر أي من الحكومات بيانا واضحا على مستوى الرئاسة بالاعتراف بالعنف الأسري كجريمة صريحة. ولماذا لم يفعل المجلس الرئاسي المثلث، ولِم لم يطالب أحد بتعديل القوانين بما يجرم العنف الأسري بكل أشكاله، ويشدد العقوبات على مرتكبيه، ويلغي كل ثغرات التخفيف في قضايا ما يسمى جرائم الشرف أو الخلافات العائلية.

هل نملك وحدات مختصة بالعنف ضد النساء والأطفال، تضم عناصر مدربة على التعامل مع الضحايا، وتعمل ضمن بروتوكولات واضحة تحمي المبلّغة ولا تعيدها إلى دائرة الخطر.

هل هناك خطة للبيت الآمن؟ وتجهيز مراكز استقبال للنساء المعنفات، ليست مجرد مكاتب استشارة، بل فضاءات آمنة قادرة على إيواء من تهدد حياتها، وتأمين دعم قانوني ونفسي لها.

هل فكرت وزارة الثقافة ومعها التعليم طبعا في تغيير المعادلة من الجذور؟ إدماج موضوع العنف القائم على النوع الاجتماعي في المناهج، وتفكيك الصورة النمطية التي تربط الرجولة بالسيطرة والعنف، وتعيد تعريف الشرف بوصفه حماية الضعيف لا التحكم في جسده وحياته.

ثم ماذا عن الإعلام الذي يكسر الصمت بدل أن يكرس الوصم، فبدل الاكتفاء بنقل وقائع الجريمة ومشاهد الدم، على الإعلام أن يلاحق جذور العنف، وأن يعطي صوتا للناجيات، وأن يسلط الضوء على عجز القانون، وأن يفضح خطاب الكراهية والتحريض ضد النساء أينما كان مصدره.

من اسم ضحية إلى سؤال بلد
كل مرة نقول فيها رحمها الله ثم نغلق «فيسبوك أو غيره» ونمضي، نمنح القاتل القادم شهية إضافية. كل مرة نلوم الضحية على ملابسها، أو عملها، أو حضورها على وسائل التواصل، ونعفي يد القاتل من المساءلة، نشارك في صناعة الجريمة التالية.

السؤال اليوم ليس فقط: من قتل الطبيبة؟ ومن اغتال صانعة المحتوى؟ السؤال الأكبر: أي بلد هذا الذي تصبح فيه حياة امرأة أرخص من سمعة عائلة، وأظهر من فوهة سلاح، وأهون على القانون من ملف آخر يركن في الإدراج؟

في 25 نوفمبر، لا يكفي إطلاق هاشتاغات غاضبة. المطلوب أصدق وأقسى بكثير: رفض، أفرادا ومؤسسات، أن نكون شهود زور على أول صفعة.

ودعم كل امرأة تقول أنا خائفة بدلا من تخويفها من الفضيحة. ثم أن تفهم السلطة – كل سلطة موجودة - بكل مستوياتها، أن كل يوم تأخير في حماية النساء هو توقيع ضمني على جثة جديدة، في بيت ما، في شارع ما، في مدينة ما.

إلى أن يحدث ذلك، ستظل ليبيا تسأل نفسها السؤال الأشد مرارة: من التالية؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»