أثناء مسيرتي الثقافية، تشكلت سيرتي الذاتية الفكرية، من خلال مطالعة كتاب ومفكرين كثيرين، لكن هناك منهم من طالعت ما يكتبون، ومنهم من درست أطروحاتهم الفكرية، لكن ثمة كتاب ومفكرون منهم، شدني إليهم أيضا سيرتهم الذاتية، إلى جانب سيرتهم الفكرية والإبداعية، حتى إن منهم من لي مقاربات وعلائق، مع فكرهم وشخصهم.
ولأنني بدأت، منذ نعومة الأظافر، قراءة ومطالعة الأدب، فقد كون ذلك مسبارا، للتعاطي مع الأساليب الكتابية والإبداعية بالأساس. فمثلا عندما كنت في الشهادة الابتدائية طالعت «عودة الروح» لتوفيق الحكيم، ومن ثم «الشيخ والبحر» لأرنست هيمنجواي. أما الرواية الأولى، فقد كنت قرأتها قبل مصورة للأطفال، في مجلة الأطفال المصرية «سمير»، ما منها عرفت، أن الزعيم جمال عبد الناصر أشاد بالرواية، وذكر أنه طالعها! أما الثانية، فقد كانت بمثابة الإنجيل الأدبي لجيل الستينيات، وفي العربية من خلال ترجمة منير البعلبكي، كانت السّفر الذي لا بد منه.
ولما كنت من المعجبين منذها، بنجم النجوم الليبي الصادق النيهوم، فقد شدتني «الشيخ والبحر»، ما كانت بمثابة كشاف النيهوم الأدبي، المؤثر في كتابته فيما بعد، خاصة روايته الأولى «من مكة إلى هنا».
وأثناء تلك المرحلة، أول ما شدني الأساليب الكتابية، فالناثر الليبي يوسف القويري، يولي عناية فائقة بِعقد الجملة، ومنثوره من الألفاظ، فاللباس يُلبس على قدر الفكرة، وحسبه ذلكم. وأما قماشة هذا الاهتمام فإنه الصادق النيهوم، من أترع الكتابة بجمل وألفاظ مبتكرة، في روح سردية أمست نسيجا وحده هي الكتابة النيهومية. كذلك فإن هذه الكتابة، عند الاثنين، مدموغة بالذات، رغم موضوعيتها ومبحثها العلمي، كما كانت تتمظهر لي، كسيرة ذاتية لكاتبها أو سيرة فكرية إن شئت.
لما كنت هكذا، كان المفكر عبد الرحمن بدوي معلما، في جامعة بنغازي لسنوات، وينتج كتبا منها ما يخص التاريخ الليبي، ولم يكن يمكن الفصل بين راهب الفكر بدوي وما ينتج. وأشير إلى أن روح بدوي صُبغت عندها بمدينة بنغازي، حتى إنها فيما بعد تشخصت في نحو 200 صفحة من مذكراته. وكان له في بنغازي أتباع، وعلى التخصيص تلاميذ نجباء، منهم من كتب رواية وجودية أولى له، وفي ليبيا، رواية «في المنفى» لرجب بودبوس، ما نُشرت أول سبعينيات القرن الماضي. أما أهم تلاميذه، فسيكون نتاجه الفكري مميزا، وغزير الإنتاج في الترجمة والتأليف، نجيب الحصادي.
بالنسبة لي هذا المثلث، المكون من روح أسلوبية متماهية، واختلاف فكري، سيكون مربعا عند معرفة المفكر إدوارد سعيد، من خلال شذرات له ومثلها عنه، لكن مع «الاستشراق» كتابه البارز، فما بعده تشكلت اللوحة. سلاسة الطرح وقوة الأفكار، سمات بارزة في أساليب «إدواردية» متميزة، وأخاذة في عمقها وبساطتها، رغم أن «الاستشراق» في ترجمته على يد الشاعر كمال بوديب أربك المسألة، لأن بوديب صبغ ما ترجم، بروح معقدة وقلقة مجحفة! المهم أن هذه القماشة الموضوعية، مدموغة بالسيرة الذاتية والإبداعية المتباينة، بين الصادق النيهوم وعبد الرحمن بدوي وإدوارد سعيد، جعلت مشتركهم عندي قويا، يوضح اختلافهم، جاعلا منهم كأنهم الجدل بأطروحته وطباقه ونفيه.
«وقد وجدنا نفسينا، في يوم من الأيام، بُعيد صدور كتابه (العالم، والنص، والناقد)، في العام 1983م، نسير باتجاه مكتبة بتلر، عبر الحرم الجامعي. وأبديت إعجابي بالإيجاز البلاغي الذي حققه في ذلك الكتاب السليط. كان جوابه التقليل من قيمة ما أنجزه.
وقال: إن واجبنا هو قبل كل شيء، أن يكون لدينا شيء نقوله بطبيعة الحال، ولكن من المهم ألا نقع فريسة الرغبة الإستطيقية، التي تضع الناقد في دور الفنان. كانت تلك الرغبة، في تلك الفترة تؤكد حضورها في الدوائر النظرية. قال بلهجة تأكيدية: (أنا لست فنانا).
إن قصارى ما يطمح له الناقد هو أن يكتب ليفهم. وهذا فيه من الفن ما يكفي». (من كتاب «إدوارد سعيد أماكن الفكر» – تأليف تمثي برنن – ترجمة محمد عصفور- عالم المعرفة 492 – الطبعة الأولى مارس 2022م).
وكأنما لسان الحال، أن الفن أن تكتب ما تكتب في الفكر دون تغرض للفن، لكن غير ذلك هو تباين الضرورة بين ما يُكتب وما يُطرح. وعود على بدء، فإنه إذا كانت سيرة إدوارد سعيد خارج المكان، فإن الصادق النيهوم جعل من منفاه الخارجي سيرته داخل المكان، أما عبد الرحمن بدوي فقد اتخذ حيث كان في المكان صومعة الرهبان.
وقد كان يوسف القويري الكاتب الليبي، من اهتم بالدور الثقافي في النشاط العملي، وهو يولي الدور الأهمية الرئيسة، وقد اعتبر سلامة موسى نموذجا للمفكر المعلم. فيما اهتم الصادق النيهوم بالأسلوب والقضايا الآنية، ثم بالموسوعات العلمية لتحقيق الدور الثقافي في النشاط العملي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات