قد لا نجد أسفارا للرحيل والترحال في الثقافة الليبية كأسفار إبراهيم الكوني، التي ومنذ صفحتها الأولى ترحل بقارئها عبر منافي الصحراء بحثا عن نبع مفقود أو عن أطلنطا غارقة تحت الرمل أو عن «واو» ابتلعه الرمل منذ الجفاف العظيم، حتى يبدو هذا الترحال هو «حالة الاستقرار الوحيدة» التي يعيشها أبطال الكوني، إن التبر أو «المهري» الأبلق في رواية التبر يمثل جوهر الترحال ومعناه، براق الروح نحو «واوات» وجنان العصر المطير التي غمرها طوفان الرمل، إن ظهر الجمل هو المستقر الوحيد لبطل الكوني والترحال هو السيرة الوحيدة في ليبيا منذ بدايات الجفاف العظيم الذي ضرب ليبيا منذ أربعة آلاف عام مضت، والتي يصورها الشاعر الروماني «أوفيد» في «مسخ الكائنات» قائلا:
«وناحت الحوريات نادبات، لأن ينابيع وأنهار ليبيا قد جفت» لتنطلق منذ تلك اللحظة تواريخ الترحال والمنافي والهجرات، بعد أن يصل الجمل إلى ليبيا من آسيا منذ أربعة آلاف عام ويهيمن فن الجمل على آخر مراحل الفن الصخري ويبدأ «نزيف الحجر» ويتحول وطن الوفرة والغابات إلى منفى طارد وطرق وعرة للعبور نحو موارد المياه.
المنفى الذي ظل أبطال الكوني يتوهون في صحاريه بحثا عن الواحة، ليتجدد الحنين إليه وللرحيل من الواحة من جديد والبحث في منافي الروح عن السماء، ففي خماسيته التي لم يكمل جزءها الخامس بعد «الواحة» يكتب الكوني والتبر ويواصل كتابات المنفى الصحراوي «الذي يأخذ معان وجودية» واغترابا دائما ومؤلما، هربا من الاستقرار والواحة والمدينة نحو آفاق الصحراء وفضاءاتها المفتوحة، المنفى يبدو عند الكوني خيار الحرية خارج أسوار الاستقرار والمدينة وحتى الجسد، إثر سؤال قصته القصيرة المهمة «إلى أين أيها البدوي».
في رواية «من مكة إلى هنا» للصادق النيهوم يبدو الوطن «سوسة» منفى يسكنه منفيون من الكريت والأفارقة والعرب، ففي سوسة مهاجرون جاءوا هربا من الاضطهاد الديني وهربا بإسلامهم من «كريت» وصارت سوسة الليبية وطنهم وفيها أيضا زنوج جاءوا من أفريقيا، ويرعى هذه التشكيلة الإنسانية الجامع والبحر، تتصارع فيها ثقافة الصيد والرعي وثقافة الرحيل والاستقرار، فيصارع مسعود الطبال راكبا قاربه لصيد السلاحف البحرية وبيعها للإيطالي صاحب الخمارة والفقيه الذي يحرم الخمر وصيد السلاحف، وتصارع زوجة الطبال زوجها ليتوقف عن شرب الخمر واصطياد السلاحف البحرية، ويصارع الفقيه الجميع، داعيا لمجتمع «مكي»، ذاك المجتمع الذي تحلم زوجة مسعود الطبال به، والذي يحلم حتى مسعود الطبال بالرحيل إليه حين يركب قاربه لصيد السلاحف.
النيهوم قال مرة «الجمل سفينة الصحراء ثم أضاف والسفينة جمل الصحراء»، ويقول الليبيون «نيتك جملك» الذي ترحل به من منفى إلى منفى جديد.
في حكاية مراكب السلطان للصادق النيهوم يبدو الوطن «جالو»، مهددا بالزوال إثر طوفان الرمل الذي سيجتاحه ولذا كان لا بد من قطع الأشجار وصناعة السفن لتركبها «جالو» هربا من العطش والصحراء، بحثا عن المنفى. فجالو لن تدوم فهي مهددة في وجودها.
أعتقد أن النيهوم ظل يحذر دائما من أن الكيان الليبي مهدد بالزوال وتشرد أهله من جديد في منافي الصحراء.
المنفى في أدب الكوني والنيهوم هو «الوطن» والوطن الحقيقي هو الرحيل الدائم بحثا عن منفى.
في سبعينيات القرن الماضي ظهرت قصة «الفرار إلى جهنم» لمعمر القذافي وهي ليست إلا مونولوجا لمغترب قلق ومنفي مقيد بالمدينة والسلطة، لبدوي وقع في أسر المدينة، إن المدينة ليست منفاه بل سجنه الذي لا بد أن يرحل هربا منه بعد أن يهد أسواره ويحطم قيوده وأعرافه، ليرحل إلى منفاه الاختياري وإن كان وادي جهنم، لكأن قصة «الفرار إلى جهنم» كانت إجابة لسؤال قصة الكوني «إلى أين أيها البدوي».
يقول يوسف القويري «إن المجتمعات المتخلفة تلقي بمثقفيها إلى المنفى النفسي»
وينشر رجب بودبوس روايته الأولى تحت عنوان «في المنفى» عن مثقف شاب يعيش في بنغازي ستينيات القرن الماضي تواجهه وترهقه أسئلة الوجود والعدم، أسئلة الوجود والحرية والقدر والموت والبعث، ليعيش تجربة الاغتراب والمنفى بمعناه الوجودي داخل الوطن، حيث يعيش البطل ويعاني عذابات وآلام المنفى في بنغازي الرواية تتناص وتتشابك مع رواية «الغثيان» لجان بول سارتر، حيث لا أمل في الخلاص من مأزق الوجود للإنسان إلا بالاختيار الفردي، اختيار المغترب الفردي، اختيار الهروب من مأزق المنفى الذي ألقى به الإنسان منذ «آدم» حتى آخر نسل قابيل.
في حلق الريح في ملحمة صالح السنوسي يبدو الرحيل إلى منفى المدينة قدرا لا مهرب منه والاستقرار نهاية منافي الهلالي الأخير.
المنفى والرحيل نحوه، ظل وعبر تاريخ ليبي طويل «تيمة» الثقافة الليبية الأبرز، فمن الرحيل إلى المنافي إثر الجفاف إلى الرحيل هربا من الحروب والصراعات إلى المنفى الوجودي «الروحي» داخل الوطن، حتى أن «الرحيل» كان المفردة المستقرة الوحيدة في موروثنا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات