1-
قضيت يوم الاثنين 13 أكتوبر 2025م، منذ فجره حتى عشائه، أمام الشاشة الصغيرة، وكان جلّ اليوم يوم لدونالد ترامب، الشخصية الاستعراضية وجنون العظمة paranoia، لكن ما كسر هذه الهيمنة خروج السجناء الفلسطينيين واستقبال فلسطين لهم. ولأول مرة أشاهد الكنيس الصهيوني وخطاب رئيسه عند استقبال نجم النجوم الرئيس الأميركي من اعتبره نتنياهو أهم رئيس في تاريخ إسرائيل.
وقد دهشت للفوضى التي غص فيها الكنيس، ثم سيل المديح ما وجه لأرنولد ترامب والذي كان صلب خطاب رئيس الكنيس ثم خطاب رئيس الوزراء، أما ترامب فقد خطب، أولا لمدح نفسه وخطته وفريقه، من كان أهمهم صهره زوج ابنته، وثانيا كال المديح لنتنياهو حتى غص، ليختم ذلك بالمطالبة من القضاء بالعفو عن نتنياهو مما ارتكب ما يعاقب عليه القانون الإسرائيلي.
هذا تقريبا ما كان أهم ما جاء في الخطاب المنتظر، من رئيس الولايات المتحدة صاحب خطة السلام للشرق الأوسط ما لا شبيه لها في التاريخ، أو كما وصفها ترامب بذاته! ضيعت الوقت فيما لا معنى له أو تقريبا ما يشبه الهذر. وقد ضيع ترامب نفسه الوقت في خطاب طويل، ما جعل مؤتمر شرم الشيخ يؤجل ساعات، وفي انتظاره رؤساء ومسؤولو دول عدة، حين وصل المؤتمر، أعاد ما فعل في الكنيس من مديح لذاته وفريقه ولعدد من الزعماء الحضور، هذا بعد أن اعتبر خطته قد أنجزت في يوم السلام، ما تفتقده المنطقة منذ ثلاث آلاف سنة.
كنت كتبت مقالا قبل، لكن أردت أن أتابع الحدث حتى أستزيد اطلاعا، وقد شاهدت الشعب الفلسطيني في غزة عقب إيقاف إطلاق النار وهو يمارس السمة الفلسطينية الأبرز: حالة العودة، والصمود والكفاح من أجل العودة لغزة التي دكت دكا. ثم شاهدتهم عند استقبال المحررين من سجون العدو، وكيف تحول غبنهم وحزنهم لفرح، وهذا ما خفف عليّ مشاهدة ومتابعة ترامب الشخصية الاستعراض وجنون العظمة paranoia.
2-العم سام عقب استقلال البلاد «الولايات المتحدة»، فتأسيس قوة بحرية مسلحة، دخل البحر المتوسط كتاجر يسبقه الأسطول البحري المسلح، الذي دكت سفنه مدينة طرابلس الغرب 1830م فأُسرت الفرقاطة فيلادلفيا، عليه تحول - في نفس السنة - السفير الأميركي، إلى غزو إيالة طرابلس الغرب عبر محاولة احتلال مدينة درنة، عقب فشل المحاولة دخل مفاوضات، ثم عقد معاهدة سلام مع يوسف القرهمانلي زعيم الإيالة.
هذه الروح العدوانية ونزعة القوى لم تفارق الدولة، التي تأسست عبر حرب إبادة للسكان الأصليين، وعنصرية البيض الأوروبيين، الذين سيطروا على السلطة والثروة والسلاح.
ومن هنا بزغت نزعة دبلوماسية أميركية عسكرية في علاقاتها الدولية، هذه النزعة ترعى روح الاستلاب، التي تأسست عليها الدولة ما توسعت عبر حروب منذ القرن التاسع عشر، كحربيها ضد إسبانيا والمكسيك. وظلت هذه النزعة العدوانية منذ التأسيس ترعي الأميركي التاجر «شايلوك».
وإن دخلت البحر المتوسط في القرن التاسع عشر، عبر دبلوماسية الأسطول البحري المسلح، فإن الولايات المتحدة الأميركية دخلت الشرق الأوسط والقرن العشرين كوريث للإمبريالية الغربية. وأخذ دورها كمهيمن في المنطقة يزداد عبر دبلوماسية الأسطول السادس وسفنه التي لا تغادر الشرق الأوسط البتة، وعرفت الدبلوماسية الأميركية كقوة فاعلة بجناحين هما CIA والمارينز، وباتت أساليب هاتيك الدبلوماسية فيلما أميركيا طويلا تحت مسمى لعبة الأمم، من نماذجها ما عرض في طهران «الانقلاب ضد مصدق» وفي بيروت تدخلها عام 1958م واحتلال الميناء والمطار.
وهذا الفيلم كانت ذروة عرضه في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث كانت الدبلوماسية الأميركية تدير الحروب في الشرق الأوسط وفي عموم الشرق، من فيتنام وشرق آسيا حتى بيروت وفلسطين وعموم الشرق الأدنى، مثلما تدير الانقلابات العسكرية في عموم القارات.
لكن الدور البارز لهذه الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط، منذ نهاية الحرب الكبرى الثانية، رعاية إسبارطية للدولة اليهودية بدعم وإدارة حروبها، فتوطيد أمنها بتلك الحروب، وتسليطها كقاعدة مسلحة متقدمة لرعاية النفوذ والمصالح الأميركية، بل والانفراد بتلك المهمة بخاصة عقب حرب السويس 1956م، ومن ثم صارت الترسانة النووية الوحيدة في المنطقة، فالمحمية بالسلاح الأميركي وأول من يستخدم جديده ويجربه في حروبها.
ومن ذاك فإن المهمة الأولي للدبلوماسية الأميركية في مجلس الأمن، استخدام الفيتو من أجل عيون إسرائيل!... هكذا إسرائيل غدت مسألة الدبلوماسية الأميركية، ولإسرائيل اليد الطولة في المنطقة، ومن مهامها الرئيسة خوض الحروب، فمنع دول المنطقة من السلاح النووي.
هذه هي الاستراتيجية التي دفعت الولايات المتحدة إلى الاندفاع بكل قواها، وإلى جانبها حلفاؤها وأتباعها، لقيادة حرب إسرائيل عقب 7 أكتوبر 2023، كحرب إبادة للمسألة الفلسطينية، وذلك بمحو المقاومة الفلسطينية ومحقها، كما تمثل ذلك في أطول حرب تخوضها إسرائيل، منذ إعلان الأمم المتحدة لوجودها في 15 مايو 1948م.
والآن هذا هو الموقف الذي وقفه الرئيس الحالي للولايات المتحدة دونالد ترامب، وكرئيس يميني متطرف صاغ مشروعه للسلام كصفقة شايلوك التاجر الأميركي، من مهمته الرئيسة الربح وحماية رأس المال دولة إسرائيل، بخاصة أن طوفان الأقصى كشف هشاشة الدولة اليهودية ذات الأنياب النووية، وأن كفاح الشعب الفلسطيني لم تزده مذبحة غزة إلا الصمود، ما أيقظ الضمير الدولي من سباته والأوروبي من ضلاله.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات