Atwasat

الترجمة حوار عبر الثقافات وجسر نحو الذات

عطية صالح الأوجلي الخميس 09 أكتوبر 2025, 02:28 مساء
عطية صالح الأوجلي

أليست الترجمة مفارقة غريبة؟ أن تبذل جهدك وروحك في إعادة كتابة نص لن يُنسب إليك أبدًا، نصّ أنت مجرد وسيط فيه. هذه المفارقة بالذات هي ما أعتقده سرّ جمال الترجمة وجوهرها: إنها فعل عطاء غير مشروط.

الجواب يكمن في أن الترجمة، في جوهرها، هي أكثر من مجرد نقل كلمات. إنها دعوة شخصية للحوار. أنا أدعو المؤلف، عبر الزمان والمكان، ليزور بيتي، وطني، ثقافتي. وأيّ تقدير لنصّ يمكن أن يفوق إعادة كتابته بلغتك أنت، بلغتك الأم؟ من هذا المنطلق، نمت علاقتي بالترجمة لتصبح نافذتي على العالم الأوسع.

(2) النشأة: في رحاب الكتب
تعود جذور هذه العلاقة إلى طفولتي في بنغازي، في زمن كان الكتاب هو الرفيق والكنز والبساط السحري. نشأت في مناخ ثقافي نابض بالحياة، مع صحف يومية مثل «الحقيقة» و«الرقيب» و«العمل» و«الزمان» و«البشائر»، ومجلات كـ«قورينا» و«جيل ورسالة». وكانت هناك صحف ومجلات تأتينا من طرابلس، مثل مجلة «الرواد» وصحيفتي «الحرية» و«البلاغ». وكانت هناك محاضرات عامة، وأنشطة مسرحية، ومراكز ثقافية، ومكتبات تفيض بالكتب والمجلات بأسعار زهيدة. ولم يكن هناك نقص في المحفزات الفكرية بفضل بعثة تعليمية من مصر، وأساتذة من فلسطين والسودان، أسهموا جميعًا في تشكيل وعي جيلي.

في هذا المناخ، انفتحت نوافذي على آداب العالم من خلال الكتب المترجمة. بدأت بـ«روبن هود» و«روبنسون كروزو»، ثم انتقلت إلى عوالم «ديكنز» و«دوستويفسكي» و«كامو». كما لعبت الأفلام الأجنبية المترجمة دورًا محوريًا في تعريفي بفن السينما، فجعلت العالم يقصّ عليّ حكاياته في بيتي.

(3) التحول: اللغة كائن حي
التحول الأكبر حدث عندما سافرت للدراسة في الولايات المتحدة. هناك أدركت أن اللغة أكبر من مجرد مفردات. إنها كائن حي، ناتج تراكمي للثقافة والمجتمع. كما قال لي أحد أساتذتي: «لن تفهم اللغة إلا إذا فهمت المزاج الوطني. عليك بملاعب الرياضة والمقاهي والمهرجانات. عندما تضحك للنكات الأمريكية، فاعلم أنك قد بدأت تتقن لغتنا». كانت تلك هي الحكمة: اللغة هي الثقافة، وهي المجتمع.

(4) البداية: الولادة الثانية
بدأت الترجمة بشكل عفوي. كنت أقرأ نصوصًا إنجليزية معينة، فتستهويني فأحدث عنها أصدقائي، فيحرضونني على ترجمتها. ما إن انتهيت من ترجمتي الأولى حتى شعرت بولادة جديدة، بعشق جديد. أدركت أن الترجمة هي كتابة مقيدة لكنها مبدعة. التحدي الذي يواجه المترجم لا يقل عن ذلك الذي واجه المؤلف الأصلي. المترجم أشبه بـ«خيميائي»، لكنه لا يحول التراب إلى ذهب، بل يصهر قطعة ذهب من ثقافة ما، ثم يصبها في قالب جديد يتناسب مع ثقافة القارئ ولغته. بهذا المعنى، نحن نحرس كنوز غيرنا، لكننا نختلف عن الغيلان في الأساطير، لأن رغبتنا الملحة هي أن يرى الآخرون هذه الكنوز، ويستمتعوا بها كما استمتعنا بها.

ومن هذا المنطلق، حرصت على أن أقدّم للقارئ العربي إبداعات من قارتي آسيا وأفريقيا، فقمت بترجمة نصوص لشاعرة البنجاب أمريتا بريتام، وللكاتب الهندي إميتاب غوش، والكاتبة الأمريكية من أصل عربي ديانا أبو جابر، وللكاتبة من أصل إيراني ياسمين كروثر، وللأسترالي جريجوري ديفيد روبرتس، وللنيجيرية شيماماندا اديتشي، والتركية أليف شفق، والصينية دايان وي لينج، وللكاتبة الفلسطينية سعاد العامري، وللإسرائيليين جلعاد عتصمون وأميرة هاس، وللجنوب أفريقي ديمون قالقوت، وغيرهم.. لماذا ؟ أولا: لأنني معجب حتى الثمالة بالأعمال الأفريقية والآسيوية المكتوبة باللغة الإنجليزية، فاللغة راقية وشاعرية، والمشاعر دافقة، والأفكار هائلة، فالكثير منها يتناول التعقيدات الناشئة عن العيش في ثقافة تختلف عن ثقافة الآباء والأجداد مثل ما يحدث مع الجيل الثاني من المهاجرين إلى دول الغرب. ثانيا: لرغبتي في استطلاع أراض بكر بالنسبة للقارئ العربي الذي لا يجيد اللغة الإنجليزية. أرجو أن أكون قد وفقت في ذلك.

(5) الجوهر: الترجمة كفن وعصيان
الترجمة الإبداعية فن، وكأي فن، فهي لا تخضع لقوالب جامدة. إنها عبور للأنهار يخضع للحكمة التي تقول: «لن تعبر النهر نفسه مرتين». فلا يمكن أن يُترجم العمل نفسه بطريقة واحدة أبدًا. الترجمة تسلل عبر شقوق الزمن، وتمرد على الجغرافيا، وعصيان لعقلية القطيع.

(6) المسؤولية: الإخلاص للروح
الترجمة إعادة خلق للنص بروح جديدة. هنا يضيف المترجم رؤيته، ويُظهر قدرته على التواصل مع القارئ. لا يكفي أن يكون المترجم ملمًا باللغة المصدر، بل يجب أن يغوص في البيئة الثقافية والسياسية للمؤلف. نحن لا نستبدل كلمات، بل نترجم مفاهيم ودلالات. النص في لغته الجديدة يصبح ملكًا للمترجم بقدر ما هو ملك للمؤلف. كما قال المترجم الشهير ميتسوس: «أحسن المترجمين هو من لا يترجم عن المؤلف سوى العنوان، ويعتمد في الباقي على إبداعه الأدبي». المسؤولية هي الإخلاص لروح النص. ألم يُعد «فيتزجرالد» تأليف رباعيات الخيام أكثر من أن يكون قد ترجمها؟

(7) الواقع: حائط برلين جديد
في الولايات المتحدة، تشكل الكتب المترجمة 2-3% فقط من إجمالي المنشورات، بينما تصل النسبة في أمريكا اللاتينية إلى 35%. وصفَت «فاينانشيال تايمز» هذا الضعف بـ«حائط برلين جديد». وفي اليابان، يُترجم سنويًا ما يقارب ثلاثين مليون صفحة. المشكلة لدينا ليست في الترجمة فحسب، بل في القراءة. إذا عزف الناس عن القراءة، فلمَ الترجمة إذن؟ ثمة حائط برلين الحقيقي يقوم بين الكتاب والقارئ.

(8) التحديات: من النادل إلى الخيميائي
واجه المترجمون العرب الأوائل نظرة نمطية ترى فيهم كـ«نُدَلاء في مقهى» يقدمون وجبات لم يطهوها، أو كسعاة بريد. لكن روادًا مثل منير بعلبكي، وسامي الدروبي، وجبرا إبراهيم جبرا، وصالح علماني، وغيرهم، استطاعوا بكفاءتهم وحسن اختيارهم خلق جمهور لهم، ورسخوا مكانة المترجم المبدع. هؤلاء لم يكونوا «نُدَلاء»، بل كانوا «طهاة» يعدون وجبات من ثقافات أخرى بمقادير تتناسب والذوق العربي.

(9) الإشكالات
الإشكال الرئيسي اليوم يكمن في غياب العمل المؤسسي بثقله المادي والمعنوي، وهي مسألة، حسب وجهة نظري، لها علاقة بدرجة تطور ونمو المجتمعات العربية التي ما زالت تفتقر إلى المؤسسات الفعالة. الترجمة تحتاج إلى «رؤية استراتيجية» و«تخطيط طويل المدى»، كما في التجارب الآسيوية الناجحة.

لقد نجحت اليابان والصين وكوريا الجنوبية في تحويل الترجمة من مجرد نشاط ثقافي فردي إلى مشروع استراتيجي، يخدم أهدافًا وطنية كبرى مثل التنمية الاقتصادية، وتعزيز القوة الناعمة، وبناء المعرفة، وذلك من خلال إنشاء معاهد وطنية للترجمة، وتمويل خطط طويلة الأمد، لترجمة العلوم والأداب من وإلى لغاتها، بينما نحن ما زلنا نعتمد على الجهود الفردية المتقطعة.

نحن نحتاج إلى استثمار حقيقي في هذا القطاع: دعم مؤسسي مستمر، ووضع خطة موحدة تحدد الأولويات (ما الذي نترجمه؟ ولمن؟)، وتوفير منح وبرامج تدريبية للمترجمين، ودعم دور النشر لخوض غمار ترجمة الأدب العربي إلى اللغات العالمية، تمامًا كما تفعل كوريا اليوم.

(10) الخلاصة: وتعارفوا
الترجمة ليست غريبة عنا كأمة. إذا كانت الترجمة إلى العربية هي وسيلتنا لاستيعاب العالم، فإن الترجمة منها هي سبيلنا للمشاركة في صنعه. واجبنا المزدوج – أن نتعرف وأن نُعرف – لم يعد خيارًا في عصر تلاشت فيه الحواجز بين الثقافات.

صحيح أن ثورة الاتصال المرئي والسمعي تشكل تحديًا كبيرًا أمام القراءة، لكنها في الحقيقة تُزيد من الحاجة إلى ترجمة ذكية تواكب هذه الوسائط، وتقدّم المضامين العميقة في قوالب جذابة تصل إلى الأجيال الجديدة. التحدي الحقيقي ليس في منافسة الصورة، بل في كيف نجعل الكلمة المترجمة هي الروح التي تمنح تلك الصورة معناها.

الترجمة، بهذا المعنى، هي جسر متبادل نعبره نحو الآخر، ويعبره الآخر إلينا، وهي ليست حكرًا على النخب، بل هي ممارسة يومية تسهم في خلق عالم أكثر تفهمًا وتقبلًا. كل كتاب نترجمه، سواء إلى العربية أو منها، هو خطوة على هذا الجسر، وخطوة نحو ذواتنا الأكثر اكتمالًا.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»