Atwasat

رئيسنا القادم (2) تناقضات الخارج تمنع الغلبة لا البنية!

طارق القزيري الأحد 05 أكتوبر 2025, 02:32 مساء
طارق القزيري

الحديث عن أثر التسوية «البنية» والصراع «الإرادة المنفردة» يوحي باستبعاد أو تهميش الدور الخارجي، في أي مجال كان!.

وهذا ممكن، فكيف يستقيم ذلك إذاً والخارج ثقيل الحضور في ليبيا!؟، حتى يجعله البعض «الفاعل الحاسم منفردا» أو «الأكثر فاعلية» !؟ أعتقد أنه من الممكن جدا بل من الضروري رسم حدود إرادته، وحدود قدرته معا.

التعقيد الحالي يشرح أن الخارج يملك مفاتيح التعطيل أكثر مما يملك مفاتيح الحسم، وأن أقصى ما يفعله هو إدارة إيقاع الأزمة لا فرض صيغة نهائية.

لماذا!؟….. لأن:

أولا، «داخل الخارج» نفسه مأزوم. صعود الشعبويات وتضارب أولويات الانتخابات والاقتصاد والطاقة في عواصم القرار يجعل شهية المغامرة محدودة، ويقيد الموارد السياسية والمالية لعمليات فرض ترتيبات قسرية في بلد معقد كساحة ليبيا.

الدول الكبرى تتحرك بحساب الكلفة والعائد، لا بنوايا حسنة، وكلما زادت أزماتها الداخلية قل استعدادها لتحمل كلفة حسم بعيد المدى.

ثانيا، الخارج ليس كتلة واحدة. تناقض المصالح بين واشنطن وموسكو وأنقرة وأطراف أوروبا، ومعه تناقضات الجوار العربي والأفريقي، ينتج توازنا سلبيا لا يسمح بمشروع غلبة واضح.

ما نراه في نيويورك خلال الأسبوع الرفيع المستوى يوضح ذلك: اجتماع «كبار المسؤولين حول ليبيا» برئاسة الولايات المتحدة يكرر مفردات الالتزام العام ويدفع باتجاه ملفات تشغيلية مثل:

دعم المؤسسات الاقتصادية
والاندماج الأمني شرق/غرب، لكنه لا يقدم خريطة حسم سياسي مفصلة.

هذا خطاب «إدارة أزمة» أكثر منه «منهجية تجاوزها» وهو ما تعكسه صياغات البيان ذاته حول بناء أسس اقتصادية للاتحاد والاستقرار، ودعم مؤسسات كالمؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي، والإشارة إلى ترتيبات تكامل أمني، من دون مقترح ملزم لبنية السلطة النهائية.

ثالثا، ما يصدر عن الأمم المتحدة يعزز أن «السقف الدولي» هو التيسير لا الفرض:

ولغة «عملية ليبية القيادة والملكية» تتكرر في بيانات مجلس الأمن وبعثة الأمم المتحدة، ما يعني عمليا أن الخارج يمنح الشرعية للإطار ويضغط على السلوك، لكنه يتجنب تبني تصميم محدد للنظام السياسي يتحمل كلفته ومسؤوليته.

هذه الصياغة تريح الجميع وتؤجل الصدام بين المحاور الخارجية، لكنها في الوقت نفسه تقيد قدرة أي طرف خارجي على فرض حل نهائي.

رابعا: البيئة الدولية مثقلة باشتعالات متزامنة في الشرق الأوسط والساحل والبحر الأسود، ما يدفع القوى الكبرى إلى «الاستجابة الحرجة» أو الاستنزاف شبه المستدام:

ضبط خطوط النفط والهجرة ومكافحة التهديدات العابرة للحدود،

لا صناعة تسوية سياسية مكلفة تلزمهم برعايتها سنوات. لذا تميل العواصم إلى مقاربة «الحد الأدنى القابل للتشغيل» بدلا من مشروع توحيد شامل سريع.

خامسا: التجربة القريبة نفسها تحذر من «وهم إرادة التغيير» لدى الخارج: موجات بيانات وخرائط طريق ثم ارتدادات، تأكيد على مؤسسات تكنوقراطية ثم عودة إلى توازنات القوة.

وما سُمح بتمريره كان غالبا ما لا يكلف داعمه أكثر من بيان أو فيتو على اسم بعينه؛ وما تعذر فرضه لم يكن لغياب الرغبة فقط، بل لغياب الأدوات التي تضمن تنفيذه على الأرض من دون انفلات كلفة.

نعم للعامل الخارجي وزن و«فيتو» وقدرة على الضبط والعقوبة والتمويل، لكنه لا يملك بمفرده تمكين مشروع غلبة داخل ليبيا، ولا يملك حاليا إرادة أو قدرة لفرض وحدة قسرية مستدامة.

نعود لما قلنا، فما يرجح كفة القيادة المقبلة وفقا لمنطق البنية يبقى هو منطق الداخل نفسه: تسوية براغماتية مصلحية «قابلة للتشغيل» تولد من ميزان قوى محلي، ثم تُختم خارجيا بحد أدنى من الاعتماد لا يمنحها القوة بل يمنحها المهلة.

بهذا المعنى، تحجيم الدور الخارجي هنا ليس موقفا أخلاقيا، بل قراءة في ميزان الكلفة والأدوات: الخارج يحدد السقف ويحرك الإضاءة، لكنه ليس من يكتب النص أو يؤدي الدور منفردا، ولا حتى البطولة المطلقة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»