في الحقيقة إن جنوح الكثير من الناس نحو ثقافة الاستهلاك ليس أمراً وليد هذا العصر، بل هو مشكلة أو ظاهرة ضاربة في التاريخ، والمشكلة الكبرى حين يتحول الاستهلاك إلى غاية في حد ذاته بدل أن يكون وسيلة لإشباع الحاجات والضرورات، والمشكلة الأكبر حين يصبح الاستهلاك دلالة على التميز عن البقية، وعلامة على الانتماء إلى طبقة معينة في المجتمع.
فثقافة الاستهلاك، التي كانت قائمة على العقل، باعتباره هو من يحدد الاحتياجات التي ينبغي إشباعها، وإذا تطرفنا قليلاً فإنه بإمكاننا أن نقول إنها قائمة أيضاً وأحياناً على العاطفة التي تتجاوز حدودها رغبات العقل الملحة واللازمة لتفرض علينا إشباع رغبات ليست ضرورية، ولكنها أقرب ما تكون إلى الترف والبذخ، هذه الثقافة الاستهلاكية تحولت في أحايين كثيرة، وعبر عصور مختلفة، من ثقافة قائمة على العقل أو حتى على العاطفة، إلى ثقافة ترتكز على الإغواء والإغراء والشهرة، حيث لا يستهلك الفرد من أجل إشباع حاجات ضرورية يمليها عليه العقل، ولا من أجل إشباع حاجات كمالية تجنح إليها العاطفة، بل يستهلك بسبب وقوعه تحت سطوة الإغواء والإغراء، أو حتى تحت سطوة الشهرة كي يقال عنه إنه اشترى وامتلك هذه السلعة أو تلك حتى وإن لا تشكل غرضاً ضرورياً ولا كمالياً له، ولذلك فإن الكثيرين يشترون أشياء لا بغرض استعمالها بأي شكل من الأشكال، ولكن ليقال إنهم يمتلكونها، ومن هنا فإن رغبات الناس تكون مفتوحة على ما لا نهاية حيث لا يشبعها شيء، فلا يتحقق لهم الرضا، وإن اقتنوا الدنيا بما فيها، ليتحولوا بعد ذلك إلى شخصيات قلقة شاكية ضجرة رغم حصولها على كل شيء.
وهذا ما أسماه الفيلسوف البولندي زيجمونت باومان بالحياة السائلة أو الثقافة السائلة، فإذا كانت الحياة الصلبة أو الثقافة الصلبة ترتكز على قيم التنوير والاستنارة والعقلانية، فإن الحياة السائلة أو الثقافة السائلة تتكئ على الإغواء والإغراء والشهرة، والطامة الكبرى أن تتحول القيمة الأخلاقية للاستهلاك من قيمة تقاس بمدى قدرتها على تلبية احتياجاتنا الضرورية أو حتى العاطفية إلى قيمة تقاس بمدى تجاوزها لما حققه الآخرون من استهلاك، أو بمدى تملكنا لشيء لا يمتلكه غيرنا، بمعنى أن الحديث لم يعد منصباً على سلع ضرورية أو سلع كمالية، بل يصبح منصباً على سلع تفاخرية إن صح التعبير، وهذه ظاهرة سلبية أطلق عليها بعض الدارسين اسم (الاستهلاك التنافسي)، حيث لا ينطلق المستهلك حين يستهلك السلعة من مبدأ احتياجه إلى سلعة ما، بل ينطلق مما حققه الآخرون من استهلاك ليتجاوزه، فالآخرون هم النقطة المرجعية له بدلا من احتياجاته الخاصة، سواء أكانت ضرورية أم كمالية.
لقد جعل هذا النوع من الاستهلاك الناس يفكرون بعقلية الأغنياء ويعيشون حياة الفقراء، فالواحد منهم تراه جاداً في اقتناء سلعة ما لا لأنه يحتاجها بل لأن فلانا اقتناها فيماثله أو لأن فلانا لم يقدر على اشترائها فيتفوق عليه، أو لأنه الوحيد من بين الناس جميعا من يمتلك هذه السلعة.
ومن هنا نرى أرقاماً فلكية غير منطقية تدفع في لوحات الفنانين أو في أشيائهم الخاصة، ولعل حادثة بيع قميص مارادونا بستة ملايين دولار ليست ببعيدة، ولعل أقرب منها حادثة بيع منديل أنف المغني العربي محمد عبده بثمانية آلاف دولار، هذا سعر المنديل فقط، فليت شعري كم كان سيكون السعر لو أن شيئاً من مخاط محمد عبده (المقدس) كان على المنديل؟!
يروى أن تاجر التحف الشهير الياباني فوشيما دخل إلى محل لبيع الشاي، وبينما كان يحتسي الشاي أخذ يتأمل كثيراً في الفنجان الذي بين يديه، وقبل أن يغادر كان قد دفع ثمن الشاي و الفنجان معا، وكان هناك رجل حرفي له محل بجانب محل الشاي هذا، وحين علم بأن فوشيما اشترى الفنجان لحق به ظناً منه أن الفنجان تحفة تستحق الشراء، وأنه لو اشتراه من فوشيما، فإنه سيحقق تميزاً في المجتمع وسيجني من ورائه مالاً وفيراً، أخبر فوشيما الرجل أن الفنجان عادي ولا قيمة له، وأنه كان يتأمل فيه بسبب انبعاث الدخان منه بشكل غريب، ثم إنه اشتراه مجاملة في المرأة العجوز، صاحبة المحل، لكن الرجل لم يصدق قول التاجر فما كان من هذا الأخير إلا أن أهداه الفنجان هرباً من إلحاحه، فأخذ الرجل الذي صار الفنجان ملكاً له يطوف على تجار الهدايا الذين أكدوا له أن الفنجان فنجان عادي ولا قيمة له. وحين شعر الرجل بالإحباط شد الرحال إلى فوشيما تاجر الهدايا الشهير، فما كان من هذا الأخير إلا أن تعاطف مع الرجل، وقدم له مئة قطعة من عملة ذلك الزمن واسترجع منه الفنجان.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن القصة انتشرت بين تجار الهدايا ورأوا أن الفنجان الذي دفع فوشيما مئة قطعة ثمناً له لا بد أن يكون ذا قيمة، حاول التاجر إقناعهم بأن لا قيمة للفنجان، ولكن بلا جدوى، فأقيم مزاد علني لشراء الفنجان، وأعطى فيه تاجران مئتي قطعة من عملة اليابان حينها، لكنهما تشاجرا بسبب ادعاء كل منهما أنه أحق بالفنجان من الآخر، فوقع الفنجان من بين أيديهم فانكسر، فأخذه فوشيما ورممه وعلقه بعيداً في محله، وظن أن الأمر قد انتهى، وبعد سنوات زار رجل مرموق اسمه فوماي محل فوشيما، وطلب منه رؤية هذا الفنجان الذي ألفت عنه الأساطير، وحين أمعن النظر فيه قال إنه فنجان عادي لا قيمة فنية له، ولكنه يقدر الذكريات المرتبطة بالأشياء أكثر من تقديره الأشياء ذاتها، فدفع في الفنجان مبلغاً مضاعفاً عن ذلك المبلغ الذي دفع فيه حين أقيم المزاد العلني، وقد صار يفتخر بأنه وحده دون غيره من يمتلك فنجان تاجر الهدايا الكبير فوشيما.
وأخيراً فإن فوشيما قد مات وولى، لكن فناجينه بقيت خالدة بل إنها تتكاثر وستظل تتكاثر إلى الأبد، لتجد رجالا كثرا مثل فوماي يدفعون فيها المبالغ الطائلة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات