مات!
فلم تحزن عليه قطرة من المطر
ولا تجهمت أوجه حفنة من البشر
ولا أطل ذات ليل فوق قبره القمر
ولا تلوت دودة كُسلى ولا انشق حجر
مات غدا..
ــ محمد الفيتوري
أغسطس 1975 ينتصف. الصيف والحرارة يغطيان ليبيا. تطورات وأحداث تطوي اللحظات طياً سريعاً وتحث الخطى باتجاه أمر يلوح في الأفق.
الرائد عمر عبد الله المحيشي. الضابط في الجيش الليبي. خريج الدفعة الثامنة من الكلية العسكرية الملكية في بنغازي في أغسطس 1966. كان ترتيبه السادس. وفي أغسطس تتداعك وتختلط وتلتهب الأحداث على الدوام. عُيِّن بعد التخرج في كتيبة إدريس الأول (الكتيبة الأولى). كان موقعها في ترهونة. انتسب لكلية الحقوق في الجامعة الليبية ولم يكمل الدراسة. الأخبار في أغسطس تتداول اسم الرائد لمدة من الزمن. أخبار الإذاعات والصحف. حدث يقع في البلاد.. كبير ومهم وخارق للعادة!
أبعاد تكوِّن ملامح شخصية المحيشي. سيرة ومواقع وأمكنة وظروف. مصراتة. بنغازي. ترهونة. طرابلس. تونس. القاهرة. وأخيراً المغرب ثم العودة بطريقة غادرة ونهاية مؤسفة تفاصيلها ما تزال طي صفحات الأيام. رفاق يتذابحون ويتقاطعون وتفرق بينهم السياسة والسلطة.
لم يكن ما جرى يعتري خاطر المحيشي ورفيقه القذافي في بدايات معرفتهما وصداقتهما التي نشأت وتكاملت ثم تقاطعت وتفارقت. التاريخ القريب يقول: إن معمر القذافي يطرد من مدارس سبها. يحل بمصراتة نهاية العام 1961. كان الوقت خريفاً في أكتوبر. ينضج التمر والبلح في فزان ومصراتة. يومها كان القذافي طالباً بالسنة الثانية الثانوية القسم الأدبي. قدم من جوف الصحراء في موسم التمور ليحط ترحاله بالساحل في سواني مصراتة ودروبها. ثمة معرفة سابقة له ببعض أبنائها من خلال تواجدهم في سرت وسبها. شكل منهم مع رفاق سبها خلية مدنية لتغيير النظام الملكي في ليبيا. أولى الخطوات العام 1959. وفي القسم الداخلي والدراسة بمصراتة ومجتمعها خارج المدرسة اقترب كعادته بالمزيد من الكثيرين من سكانها وأعيانها وشبابها.. وكان يخطو بحذر شديد. وأحياناً يقدم رجلاً ويؤخر أخرى. أيام جديدة تطرأ في سيرة القذافي وتكون فصولاً لمرحلة آتية عبر الليالي والنهارات. مصراتة تنضاف إلى سبها. الساحل والصحراء وسواني النخيل والطوابي والقذافي يلتقي المحيشي.
هنا في المدرسة المركزية الشهيرة وسط المدينة عرف عمر المحيشي وشقيقه طاهر. أطلق والدهما الحاج عبد الله اسميهما تخليداً لابني سالم باشا المحيشي أحد أعيان بنغازي وأثريائها أواخر العهد التركي. عمر فخري ومحمد طاهر. معروفان في تاريخ الصحافة الليبية ونشأتها في بنغازي. (الحقيقة. بريد برقة. ليبيا المصورة). هناك صلة قرابة وطيدة بين الأسرتين. القذافي لاحقاً بعد أغسطس المشهور سيسقط هذه العلاقة بطريقة تروق له ويستثمرها في الربط بين (العمرين).. الكبير والصغير. الإسقاط هنا لا يخرج عن ساحات الخيانة والعمالة ومن بعيد جداً (الحالة الاجتماعية–الطبقية إن صح التعبير). التهم الجاهزة على الدوام. والأدلة تساق بكل الأشكال مشروعة أو غير مشروعة. يقبلها العقل البشري أو يبعدها من تفكيره.
ثم يعرف آخرين أيضا.. عبد الله حويضر. والفقيه أحمد مسيمير. وبوبكر بوشحمة ومحمد النحايسي.. وغيرهم. إضافة الى من كانت لهم به صلة سابقة.. محمد عمر خليل بوزعكوك.. مثالاً.
عمر المحيشي شاباً وطالباً في المدرسة يتقد نشاطاً. ثقافته غزيرة بين الزملاء. حُسِب على اليسار. يشار إليه بأنه من أصحاب اللون الأحمر. شقيقه محمد طاهر من تنظيم حركة القوميين العرب. لامس معمر التنظيم دون انتظام واضح وخرج مثل دخوله وخروجه السابق من البعث في سبها البعيدة بواسطة رفيقه القديم محمد علي تبو.
في القسم الداخلي بالمدرسة عرف الكثير من الطلبة من زليتن وقماطة وبني وليد والخمس وسرت وغيرها.. سيختار الكثير منهم لتصوراته المقبلة. ستشهد ليالي القسم الداخلي التحريض والسخرية من العهد الملكي. تقليد لصوت الملك في خطابه في العيد العاشر للاستقلال في ديسمبر 1961. استهزاء به. مواقف أخرى لرفيق القسم رجب خليفة حسين. بعد سبتمبر سيكون جل هؤلاء أعضاء في مشروع التنظيم الشعبي المنتظر في ليبيا وهياكل اللجان التأسيسية في المحافظات للاتحاد الاشتراكي.
أيام سبها وسط الرمال في مدرستها الابتدائية والمركزية وشعوره بالغبن وحساسية الطرد من شخصية متنفذة وقوية في فزان (البي محمد سيف النصر) لم ينسها وظلت آثار الصفعة على الوجه من تلك الشخصية ماثلة في خاطره لم تبرحه رغم تبدل الجو في مصراتة. الوجود الحضري والاقتصادي والاجتماعي يختلف لظروف البيئة والواقع الجديد الذي شهده. كان يسبق عمر في الدراسة بعام واحد. وثمة فارق في العمر أيضاً.
المحيشي من مواليد 1945. القذافي أكبر عمراً من أغلب الرفاق المدنيين والعسكريين تلك الأيام. القذافي تلازم مع الرفاق الجدد في مصراتة. اقترب كما لاحظنا من الأخوين المحيشي . ووالده وعمه أحمد المحيشي الذي كان نائباً في البرلمان.
ثمة فوارق ظاهرة تلوح في أسلوب العيش والسلوك. لكن عمر ومعمر التقيا وتناقشا كثيراً عن الأوضاع السائدة وضرورة التغيير بقلب النظام. القذافي كان سبباً مباشراً في دعوة المحيشي للالتحاق بالكلية العسكرية. تم ذلك في أواخر 1964.
القذافي نال الثانوية صيف 1963. عقدت الامتحانات في مدرسة الزاوية. وكان الأسبق من المحيشي في الدخول إلى الكلية العسكرية نهاية ذلك العام
والأيام تمر. تغمر ليبيا بآفاقها في مصراتة وبنغازي وسرت وطرابلس وكل مكان. يشكل معمر أولى الخلايا العسكرية أثناء الدراسة ثم الحاميات العسكرية تظل أمكنة يتواجد بها أعضاء في التنظيم العسكري الذي أسسه القذافي واختار أفراده وتابع شؤونه. المحيشي لم يكن عضواً بالتنظيم المدني. لم يختره القذافي أيام مصراتة. معرفة وتبادل للآراء واتفاق واختلاف في بعض الأمور. ثقافة المحيشي كانت غزيرة ومتدفقة. ذلك ما عرفه القذافي جيداً ثم أكده فتحي الديب في تقاريره لعبد الناصر عن المقومات الفكرية للمحيشي المختلفة عن أعضاء مجلس قيادة الثورة في قادم الأيام.
في العام 1968.. في الصيف انضم المحيشي الى التنظيم العسكري. اختاره القذافي شخصياً وأحضره لاجتماع عقد في نواحي سرت (بئر الزعفران) وشارك فيه مجموعة من الضباط أتوا من وحدات عسكرية مختلفة. بعض أعضاء التنظيم الذين أضحوا أعضاء في مجلس قيادة الثورة اعترضوا على اختيار المحيشي ولم يعجبهم ذلك الاختيار. صارحوا معمر. لكنه أصر على موقفه باختياره لعمر المحيشي. كانوا يلاحظون عليه تعالياً وأنفة في التعامل.
والأيام تمر وتمضي. تشكل أعواماً. نهارات وليال. شموس وأقمار. معها يتشكل زمن مغاير. يقع التغيير يحدث يوم الإثنين 1 سبتمبر 1969. في يناير 1970 يعلن عن أسماء الأعضاء. عددهم اثنا عشر ضابطاً. كان المحيشي العضو الحادي عشر وآخرهم زميله في الدفعة الثامنة امحمد المقريف. طوال أيام المجلس تحصل المفارقات والمزايدات والصراعات منذ الوهلة الأولى غير أن الصدور الضيقة تكتم ما يختفي ولا يظهر. يتولى عمر وزارة الصناعة ثم التخطيط. يعرف بالخصم العنيد اليساري في المجلس. يتقاطع مع موسى أحمد ويدخل معه في حزازات عنيفة تقارب إشهار السلاح. يعين رئيساً لمكتب الادعاء العام في أكتوبر 1969. في محكمة الشعب كانت له مواقف حسبت عليه كثيراً أثناء محاكمات ضحاياها من رجال العهد الملكي. في مايو 1970. يتقاطع بحدة مع الصادق النيهوم في ندوة الفكر الثوري يصفه بأنه مثقف رجعي. في نقاشات الندوة كان أكثر بروزاً من الأعضاء الآخرين.
ثم الايام تمر بأصيافها وشتائاتها. شعور يسري داخل مجلس الاثنى عشر بأن القذافي يتفرد بالقرارات. لا يقيم وزناً للأعضاء. المجلس لم يعد يلتقي في اجتماعاته المعتادة. لا محاضر. لا قرارات يتفق عليها. معمر رئيساً للقيادة ورئيساً لمجلس الوزراء ورئيساً لمجلس الدفاع الوطني ورئيساً لمجلس القضاء الأعلى.. ورئيساً لمجلس التخطيط والقائد العام للقوات المسلحة.. وهكذا. حتى تسود الأمور وتظلم في أبريل 1973. الثورة الشعبية وتنفرط الحبات في القيادة ويتسع الشرخ. والكتمان في الصدور يقارب على الانفجار. بعض الأعضاء يكتفي بالإياب ويعود إلى بيته مؤثراً الابتعاد والسلامة. لقد اتضحت الأمور وانفتحت على كل المصاريع.
وأغسطس 1975 يحل منذ خمسين عاماً. الحركة والمحاولة. ضباط وضباط صف وتنظيم وراءه الرائد (الأحمر) كما يشار إليه. لم يدركه النجاح. تسربت الأخبار. التحقيقات مع الجميع. وإفراغ الجيش من العديد من الضباط. الذين شملتهم الشكوك والظنون والريب.
المحيشي يتجه إلى تونس. مرحلة أخرى. خلفها أيام مصراتة وبنغازي وترهونة وطرابلس والكلية العسكرية وكلية الحقوق والوزارة والمجلس ومكتب الادعاء. تتوارى الأطياف. يتنقل ويتحرك في الخارج. إعلامياً. يصدر صحيفة ويشرف على برنامج في إذاعات مصر. وتنفجر الشكوك بالمزيد. حركة تقاطعت مع تفكير القذافي. اعتبرها خيانة. أعاد القذافي حساباته. قيَّم الأمور من الناحية الجهوية والقبلية ووجد من يومها في أبناء العمومة ملاذاً يختلف عن الرفاق القدامى. تنفجر أزمات أخرى. مواجهات تكوين اتحاد الطلبة نهاية العام 1975. صراعات مع مصر. وتظل أسباب الحركة تظهر عبر ما يقع. تتداعى تفاصيلها. كانت خطيرة في رأي الجميع وقاربت على أن تحقق مرادها. وسط هذه الأزمات والظروف المعقدة أعلنت سلطة الشعب في البلاد. صار أعضاء المجلس خمسة فقط. لا بد هنا من إظهار قوة السلطة وتحذير الغافلين أو من لديه تفكير في المستقبل بإعادة تدوير الحركة. أعدم الضباط المشاركون في معسكرات مختلفة في الثاني من أبريل 1977 وسجن الكثير منهم فترات طويلة.
كان ذلك كله عقب إعلان (قيام سلطة الشعب) بشهر واحد في سبها يوم الثاني من مارس. الأيام تمضي. القذافي لا يهدأ. الصفقات والسياسة تتقلب بين المغرب وليبيا. من مؤتمر الرباط إلى انقلاب الصخيرات إلى موضوع الصحراء إلى اتفاقية وجدة. الغدر والوقيعة وصفقات المال السائل يعيد المحيشي إلى ليبيا. الحزن يتسلل وحيداً دون أن يراه أحد في ذلك اليوم. نهاية مريرة تقطع ما بين الاثنين مثل كل تفاصيل الوقائع السياسية العربية المخجلة. مصير الرائد المحتوم الذي لقيه ما يزال قابعا في سراديب المجهول.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات