Atwasat

مفردات المزوغي

منصور بوشناف الخميس 28 أغسطس 2025, 05:49 مساء
منصور بوشناف

يمثل الشاعر محمد المزوغي تجربة شعرية ليبية متفردة، وُلدت من رحم الموروث الشعري العربي، دون أن تكبر في جلبابه، لتتميز عن السلفية الأدبية، التي شهدها المشهد الشعري العربي نهايات القرن العشرين وسادت المشهد، وكل ذلك مع تراجع تيارات التحديث في الشعر والنثر وغالبية مظاهر الحياة.

على الساحة الشعرية الليبية لم يكن المزوغي وحيدا في هذا التميز فقد شاركه شعراء مهمون، شكلوا تيارا شعريا استطاع أن يعبر عن ذائقة جمالية أصيلة نهلت من الموروث الشعري العربي القديم، دون أن تستلب فيه، بل ظلت مخلصة لجوهر الشعر المتجدد مع تجدد الحياة، ظلوا وكما يقول محمود درويش «الحامل عبء الأرض والمنقذ من هذا الضلال».

كان «أسامة الرياني وحسن إدريس وهود الأماني» وغيرهم الكثير من الأصوات الشعرية الليبية التي برز صوتها كتعبير عن «العودة للذات دون التخلي عن مشروع النهضة والتنوير»، إنه مشروع النهوض من الداخل، وذلك بالحفر والتنقيب في ذاكرة «الذات الحضارية» عن لحظات التجلي والإشعاع وإطلاقها من تحت ركام «القديم الميت ونفايات وخردة الحديث المستورد».

تجربة الشاعر محمد المزوغي تتكئ على الموروث الصوفي الإسلامي «الذي مثل في التراث الأدبي العربي، الشعري خاصة، لحظات تجلٍ وإشراق، لحظات انتصار للروح ولجوهر الشعر على أصنام الجسد الراهن ونزعة الاستهلاك التي تصيب الحضارات مع بدايات تفسخها وانهيارها».

كانت الصوفية وفي لحظات ألقها الحضاري، معركة استرداد الروح لجمع «الشمل بالذات» عمليات كشط لما تراكم عليها من طبقات المعارف والأبنية والسلطات الميتة، كانت عمليات إنقاذ للروح وللشعر من تحت ركام حضارة تفسخت وانهارت على كل ما فيها.

الشعر كان مشعل الأمة وسط ظلام الخراب
«لا يخلع الليل أثواب الظلام
إذا لم يشهر الضوء في وجه الدجى الفلق».
هكذا وعلى هذا النحو تبدأ مفردات المزوغي الشعرية، كما يسمي ديوانه.

«مفردات شعرية»، وهذا الديوان يقدمه المزوغي كعصارة لتجربته الشعرية، أو كتطبيق لنظرية «خليفة التليسي» المعروفة بقصيدة البيت الواحد، حيث ينتقي من إنتاجه الشعري باقات تمثل جوهر الشعر والتجربة في قصائده السابقة.
هذا الانتخاب لبقاء الأصلح، يمثل عملية كشط يمارسها المزوغي على تجربته الشعرية لإزاحة طبقات الكلس والموت وإطلاق «ما قد يشبه لنا بفنائه تحت الركام».

«مشعل للتجدد والبقاء»
هي تجربة قاسية ومؤلمة بالتأكيد بالنسبة للشاعر، أن يكشط ويزيح عشرات المقاطع والأبيات من تجربته الشعرية ليقدم لقارئه هذه العصارة، هذا «الجوهر»، إنه يمارس تجارب الصوفيين ونزوعهم «للاستغناء والتخلي»، صوم قاس عن كل ما اكتنز من شذرات وأبيات وقصائد، زهد في الكل من أجل «الجوهر، الواحد».
هذا الجوهر «الحرف» وبعد تجريده من أقنعته ومسوحه ومحمولاته الزائفة يصير مشعلا حقيقيا ومنارة للسالكين فهو القادر على ضم وشمول الإنسان والكون كاملا، انه موطن السر ومخبأ الكون الفسيح.

«فالحرف إن لم يكن كونا بأكمله
فليس إلا سوادا ضمه الورق»

المزوغي لا يتوقف عن الكشط حتى على الحرف «الجوهر، الواحد» فقد يكون حرفا زائفا، قد يكون «حرفا دجالا»، لذا يضع له مواصفات وشروط الحرف الجوهر الواحد الحقيقي، ذلك القادر على «حمل الأرض والمنقذ من هذا الضلال».

تجربة الشاعر محمد المزوغي في ديوانه «مفردات شعرية» تجربة روحية وجمالية متميزة في الشعر العربي، حيث يمارس الشاعر لعبة الهادم والباني، المقيد والمحرر، المنشئ والكاشط ، الشاعر والمتلقي، الميت والحي، الزائل والخالد.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»