التشابه في ثنائيات الأدوار الفنية، ميزة كانت غالبة بين معظم الفنانين العرب، ارتبطت بمراحل جيلية ازدهرت في زمانها كظاهرة سادت في أعمال المسرح والسينما خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وكان من بين ألمع نجومها، اللبناني «شوشو» حسن علاء الدين (1932- 1975)، والمصري محمود شكوكو (1912- 1985) وإن لم يلتقيا في عمل، لكن كان لظهورهما المتميز في ذلك الزمن، تعبيرٌ عن استقرار تلك المرحلة السياسية، وعلامة فنية فارقة في تاريخ المسرح والسينما.
كانت مدرسة يوسف وهبي ونجيب الريحاني في مصر، تقوم على أدوار الكوميديا السوداء في المسرح والسينما، إلا أن تأثير مدرسة «شارلي شابلن» الصامتة، كانت أبلغ تأثيراً على تجربة هذين الفنانين اللذين اعتمدا في الكثير من أدوارهما لغة الحركة دون الحوار، وهي اللغة العالمية التي أعقبت مرحلة السينما القصيرة الصامتة بتعبيراتها التراجيدية، وعادت اليوم في تجربة العديد من المخرجين الشباب الذين اعتمدوا على النص الأدبي في تجريد أعمالهم، كما في نخبة من الأعمال المغاربية المتأثرة بالسينما الفرنسية.
ارتبطت تجربة «شوشو وشكوكو» بحالة الاستقرار السياسي والاجتماعي في الفترة التاريخية الواقعة بين حربي 67 و73 والتي شهدت ظهور العديد من الأصوات الثقافية، الفنية والأدبية، التي اعتمدت على رؤية ثقافية نقدية كانت تفاعلت آنذاك مع الوعي الجماهيري العربي الذي تأسّس عقائدياً بعد الهزيمة، بدعم التيار القومي العربي، وظهور صحافة ومسرح وسينما قومية استوعبت أحلام المثقفين، بخاصة اليساريين، وفتحت آفاقاً تعبيرية واسعة شكلت تنوعاً لافتاً واكب موجة الحداثة الأولى نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات بحركة التجريب الإبداعي، الفني والأدبي.
مات شوشو قبل شكوكو في 1975 قبل شهرٍ من اشتعال الحرب الأهلية في لبنان.. مات مطمئناً على المسرح الوطني الذي أسسه في بيروت وقدم من خلاله أعمالاً اجتماعية فكاهية أضحكت الجمهور بشخصيته المميزة، بصوته المبحوح وشواربه الكثة ونحافته التي مكّنته من تأدية أدوار رشيقة تماهت مع الجمهور في المسرح وفي الشارع.. وكانت جُل أعماله المسرحية والسينمائية والإذاعية، اجتماعية فكاهية ناقدة، غير مأزومة بحالة سياسية معقدة، ما يؤكد على استقرار الحياة في لبنان قبل الحرب التي اندلعت لتقضي على مظاهر الاستقرار، فمات شوشو بسكتة قلبية أسدلت ستار مسرحه، لتموت بعده كل عناوين الحب التي رفعها في أعماله وكرست لحياته الفنية في زمن الحب الذي عاشه اللبنانيون زمناً.
بذات طبيعة الحياة التي عاشها اللبناني «شوشو» للفن في عهود الجمهوريات الوطنية المستقرة، عاش الفنان المصري «شكوكو» بين عهدي الملك فاروق والرئيس عبدالناصر، وهي الفترة الذهبية التي تميّزت بالنجومية والشهرة في عالم المسرح والسينما، خاصة في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وكان شكوكو بشكله المميّز بطربوشه وجلّابيته ووجهه الباسم وشاربه الرفيع، قد استفاد من شعبية تلك المونولوجات الفكاهية والأغاني السياسية التي قدمها لجمهوره وتركت بصمة قوية في مسيرة الثورة المصرية حتى توقف نشاطه بالموت الفني العام 1963 قبل «النكسة» كما توقف نشاط شوشو بالموت الجسدي العام 1975 قبل الحرب الأهلية.. فكان القاسم المشترك بينهما أنهما عاشا بين الناس للفن. فعاش الناس بينهما زمن الفن!
لقد عاش الفنان شوشو عهدي الرئيسين شارل حلو وسليمان فرنجية، وهما من أجمل عهود لبنان الفن والثقافة والأدب والجمال، وكانت بيروت حينها قبلة المعرفة لكُل العرب. كما عاش شكوكو عهد الملك فاروق وبدايات عهد عبدالناصر حين كانت مصر قلب العرب ومصيرهم.. ففي الزمن العربي لم يكن الفن الذي يخرج من مصر ولبنان مُجرّد رسالة اجتماعية وسياسية «جماهيرية» لتغذية الوعي الشعبي، بل كان محطة تاريخية لتقييم الزمن وتحوّلاته بوقع شعار «كيف كُنّا وكيف أصبحنا».. ومن علاماته ظهور مثل هؤلاء الفنانين بعبقرياتهم وحضورهم الجميل بين الناس.. ونحن اليوم، بعد كُل هذا الشقاء العربي، إذا عُدنا لزمن شوشو، فإننا نستدعي المسرح الرحباني بطلّة الملكة فيروز ونصري شمس الدين ووديع الصافي وأنطوان كرباج وهند أبي اللمع وجوزيف نانو وإبراهيم مرعشلي، وهو زمان الشحرورة صباح في «زي العسل، وأهلا بهالطلّة»، والدلّوعة «طروب» في «ياستي يا ختيارة» و«فهد بلّان» في «تحت التفاحة».. وسواهم قبل الحرب التي غيّرت نمط الحياة في لبنان الجميل بهوائه وخضاره وحسناواته، وبهاء مساءات الروشة وجونيا وبحمدون وعالية وبرمانا، وسهرات مقاهي وحانات ومسارح وسينمات شارع الحمرا.
كما حميمية عواصمنا العربية في الخمسينيات والستينيات كانت القاهرة مدينة الأحياء العريقة برموزها الثقافية من الفنانين والأدباء، ففي «الجمّالية» عاش «شكوكو» فنان الشعب كما عاش «نجيب محفوظ» أديب الشعب، وهما رمزان لزمن جميل شهدته القاهرة القديمة وعاشته مع أشعار ورسومات صلاح جاهين ومسرح يوسف وهبي وسينما نجيب الريحاني، زمن زينات صدقي وعبد الفتّاح القصري وحسن فائق.. زمن نجيب محفوظ في «زقاق المدق» ومحمد عبد المطلب في مقاهي «الحسين»، وزمن محمد طه في أعراس «بولاق» و«باب الشعرية»، وموشّحات محمد الكحلاوي في «السيدة زينب»، زمن فريد الأطرش في «جميل جمال»، وزمن شادية في «سوق على مهلك سوق».. الزمن الجميل البديع الذي لن يعود مهما بلغ الحنين فينا منتهاه، فلا زمن آخر لنعيش وقد اختفت وجوه من أحببنا عن مسرح الحياة!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات