Atwasat

زمان (شوشو وشكوكو)!

سالم الهنداوي الخميس 28 أغسطس 2025, 12:15 مساء
سالم الهنداوي

التشابه‭ ‬في‭ ‬ثنائيات‭ ‬الأدوار‭ ‬الفنية،‭ ‬ميزة‭ ‬كانت‭ ‬غالبة‭ ‬بين‭ ‬معظم‭ ‬الفنانين‭ ‬العرب،‭ ‬ارتبطت‭ ‬بمراحل‭ ‬جيلية‭ ‬ازدهرت‭ ‬في‭ ‬زمانها‭ ‬كظاهرة‭ ‬سادت‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬المسرح‭ ‬والسينما‭ ‬خلال‭ ‬عقدي‭ ‬الخمسينيات‭ ‬والستينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬ألمع‭ ‬نجومها،‭ ‬اللبناني‭ ‬‮«‬شوشو‮»‬‭ ‬حسن‭ ‬علاء‭ ‬الدين‭ (‬1932-‭ ‬1975‭)‬،‭ ‬والمصري‭ ‬محمود‭ ‬شكوكو‭ (‬1912-‭ ‬1985‭) ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يلتقيا‭ ‬في‭ ‬عمل،‭ ‬لكن‭ ‬كان‭ ‬لظهورهما‭ ‬المتميز‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن،‭ ‬تعبيرٌ‭ ‬عن‭ ‬استقرار‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬السياسية،‭ ‬وعلامة‭ ‬فنية‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المسرح‭ ‬والسينما‭.‬

كانت‭ ‬مدرسة‭ ‬يوسف‭ ‬وهبي‭ ‬ونجيب‭ ‬الريحاني‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أدوار‭ ‬الكوميديا‭ ‬السوداء‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬والسينما،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تأثير‭ ‬مدرسة‭ ‬‮«‬شارلي‭ ‬شابلن‮»‬‭ ‬الصامتة،‭ ‬كانت‭ ‬أبلغ‭ ‬تأثيراً‭ ‬على‭ ‬تجربة‭ ‬هذين‭ ‬الفنانين‭ ‬اللذين‭ ‬اعتمدا‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أدوارهما‭ ‬لغة‭ ‬الحركة‭ ‬دون‭ ‬الحوار،‭ ‬وهي‭ ‬اللغة‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬مرحلة‭ ‬السينما‭ ‬القصيرة‭ ‬الصامتة‭ ‬بتعبيراتها‭ ‬التراجيدية،‭ ‬وعادت‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المخرجين‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬اعتمدوا‭ ‬على‭ ‬النص‭ ‬الأدبي‭ ‬في‭ ‬تجريد‭ ‬أعمالهم،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬المغاربية‭ ‬المتأثرة‭ ‬بالسينما‭ ‬الفرنسية‭.‬

ارتبطت‭ ‬تجربة‭ ‬‮«‬شوشو‭ ‬وشكوكو‮»‬‭ ‬بحالة‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬التاريخية‭ ‬الواقعة‭ ‬بين‭ ‬حربي‭ ‬67‭ ‬و73‭ ‬والتي‭ ‬شهدت‭ ‬ظهور‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭ ‬الثقافية،‭ ‬الفنية‭ ‬والأدبية،‭ ‬التي‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬ثقافية‭ ‬نقدية‭ ‬كانت‭ ‬تفاعلت‭ ‬آنذاك‭ ‬مع‭ ‬الوعي‭ ‬الجماهيري‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬تأسّس‭ ‬عقائدياً‭ ‬بعد‭ ‬الهزيمة،‭ ‬بدعم‭ ‬التيار‭ ‬القومي‭ ‬العربي،‭ ‬وظهور‭ ‬صحافة‭ ‬ومسرح‭ ‬وسينما‭ ‬قومية‭ ‬استوعبت‭ ‬أحلام‭ ‬المثقفين،‭ ‬بخاصة‭ ‬اليساريين،‭ ‬وفتحت‭ ‬آفاقاً‭ ‬تعبيرية‭ ‬واسعة‭ ‬شكلت‭ ‬تنوعاً‭ ‬لافتاً‭ ‬واكب‭ ‬موجة‭ ‬الحداثة‭ ‬الأولى‭ ‬نهاية‭ ‬الستينيات‭ ‬ومطلع‭ ‬السبعينيات‭ ‬بحركة‭ ‬التجريب‭ ‬الإبداعي،‭ ‬الفني‭ ‬والأدبي‭.‬

مات‭ ‬شوشو‭ ‬قبل‭ ‬شكوكو‭ ‬في‭ ‬1975‭ ‬قبل‭ ‬شهرٍ‭ ‬من‭ ‬اشتعال‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬لبنان‭.. ‬مات‭ ‬مطمئناً‭ ‬على‭ ‬المسرح‭ ‬الوطني‭ ‬الذي‭ ‬أسسه‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬وقدم‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬أعمالاً‭ ‬اجتماعية‭ ‬فكاهية‭ ‬أضحكت‭ ‬الجمهور‭ ‬بشخصيته‭ ‬المميزة،‭ ‬بصوته‭ ‬المبحوح‭ ‬وشواربه‭ ‬الكثة‭ ‬ونحافته‭ ‬التي‭ ‬مكّنته‭ ‬من‭ ‬تأدية‭ ‬أدوار‭ ‬رشيقة‭ ‬تماهت‭ ‬مع‭ ‬الجمهور‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬وفي‭ ‬الشارع‭.. ‬وكانت‭ ‬جُل‭ ‬أعماله‭ ‬المسرحية‭ ‬والسينمائية‭ ‬والإذاعية،‭ ‬اجتماعية‭ ‬فكاهية‭ ‬ناقدة،‭ ‬غير‭ ‬مأزومة‭ ‬بحالة‭ ‬سياسية‭ ‬معقدة،‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬لتقضي‭ ‬على‭ ‬مظاهر‭ ‬الاستقرار،‭ ‬فمات‭ ‬شوشو‭ ‬بسكتة‭ ‬قلبية‭ ‬أسدلت‭ ‬ستار‭ ‬مسرحه،‭ ‬لتموت‭ ‬بعده‭ ‬كل‭ ‬عناوين‭ ‬الحب‭ ‬التي‭ ‬رفعها‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬وكرست‭ ‬لحياته‭ ‬الفنية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحب‭ ‬الذي‭ ‬عاشه‭ ‬اللبنانيون‭ ‬زمناً‭.‬

بذات‭ ‬طبيعة‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬اللبناني‭ ‬‮«‬شوشو‮»‬‭ ‬للفن‭ ‬في‭ ‬عهود‭ ‬الجمهوريات‭ ‬الوطنية‭ ‬المستقرة،‭ ‬عاش‭ ‬الفنان‭ ‬المصري‭ ‬‮«‬شكوكو‮»‬‭ ‬بين‭ ‬عهدي‭ ‬الملك‭ ‬فاروق‭ ‬والرئيس‭ ‬عبدالناصر،‭ ‬وهي‭ ‬الفترة‭ ‬الذهبية‭ ‬التي‭ ‬تميّزت‭ ‬بالنجومية‭ ‬والشهرة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬المسرح‭ ‬والسينما،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الأربعينيات‭ ‬والخمسينيات‭ ‬والستينيات،‭ ‬وكان‭ ‬شكوكو‭ ‬بشكله‭ ‬المميّز‭ ‬بطربوشه‭ ‬وجلّابيته‭ ‬ووجهه‭ ‬الباسم‭ ‬وشاربه‭ ‬الرفيع،‭ ‬قد‭ ‬استفاد‭ ‬من‭ ‬شعبية‭ ‬تلك‭ ‬المونولوجات‭ ‬الفكاهية‭ ‬والأغاني‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬لجمهوره‭ ‬وتركت‭ ‬بصمة‭ ‬قوية‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية‭ ‬حتى‭ ‬توقف‭ ‬نشاطه‭ ‬بالموت‭ ‬الفني‭ ‬العام‭ ‬1963‭ ‬قبل‭ ‬‮«‬النكسة‮»‬‭ ‬كما‭ ‬توقف‭ ‬نشاط‭ ‬شوشو‭ ‬بالموت‭ ‬الجسدي‭ ‬العام‭ ‬1975‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭.. ‬فكان‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بينهما‭ ‬أنهما‭ ‬عاشا‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬للفن‭. ‬فعاش‭ ‬الناس‭ ‬بينهما‭ ‬زمن‭ ‬الفن‭!‬

لقد‭ ‬عاش‭ ‬الفنان‭ ‬شوشو‭ ‬عهدي‭ ‬الرئيسين‭ ‬شارل‭ ‬حلو‭ ‬وسليمان‭ ‬فرنجية،‭ ‬وهما‭ ‬من‭ ‬أجمل‭ ‬عهود‭ ‬لبنان‭ ‬الفن‭ ‬والثقافة‭ ‬والأدب‭ ‬والجمال،‭ ‬وكانت‭ ‬بيروت‭ ‬حينها‭ ‬قبلة‭ ‬المعرفة‭ ‬لكُل‭ ‬العرب‭. ‬كما‭ ‬عاش‭ ‬شكوكو‭ ‬عهد‭ ‬الملك‭ ‬فاروق‭ ‬وبدايات‭ ‬عهد‭ ‬عبدالناصر‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬مصر‭ ‬قلب‭ ‬العرب‭ ‬ومصيرهم‭.. ‬ففي‭ ‬الزمن‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الفن‭ ‬الذي‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬ولبنان‭ ‬مُجرّد‭ ‬رسالة‭ ‬اجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬‮«‬جماهيرية‮»‬‭ ‬لتغذية‭ ‬الوعي‭ ‬الشعبي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬محطة‭ ‬تاريخية‭ ‬لتقييم‭ ‬الزمن‭ ‬وتحوّلاته‭ ‬بوقع‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬كيف‭ ‬كُنّا‭ ‬وكيف‭ ‬أصبحنا‮»‬‭.. ‬ومن‭ ‬علاماته‭ ‬ظهور‭ ‬مثل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفنانين‭ ‬بعبقرياتهم‭ ‬وحضورهم‭ ‬الجميل‭ ‬بين‭ ‬الناس‭.. ‬ونحن‭ ‬اليوم،‭ ‬بعد‭ ‬كُل‭ ‬هذا‭ ‬الشقاء‭ ‬العربي،‭ ‬إذا‭ ‬عُدنا‭ ‬لزمن‭ ‬شوشو،‭ ‬فإننا‭ ‬نستدعي‭ ‬المسرح‭ ‬الرحباني‭ ‬بطلّة‭ ‬الملكة‭ ‬فيروز‭ ‬ونصري‭ ‬شمس‭ ‬الدين‭ ‬ووديع‭ ‬الصافي‭ ‬وأنطوان‭ ‬كرباج‭ ‬وهند‭ ‬أبي‭ ‬اللمع‭ ‬وجوزيف‭ ‬نانو‭ ‬وإبراهيم‭ ‬مرعشلي،‭ ‬وهو‭ ‬زمان‭ ‬الشحرورة‭ ‬صباح‭ ‬في‭ ‬‮«‬زي‭ ‬العسل،‭ ‬وأهلا‭ ‬بهالطلّة‮»‬،‭ ‬والدلّوعة‭ ‬‮«‬طروب‮»‬‭ ‬في‭ ‬‮«‬ياستي‭ ‬يا‭ ‬ختيارة‮»‬‭ ‬و«فهد‭ ‬بلّان‮»‬‭ ‬في‭ ‬‮«‬تحت‭ ‬التفاحة‮»‬‭.. ‬وسواهم‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬غيّرت‭ ‬نمط‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬الجميل‭ ‬بهوائه‭ ‬وخضاره‭ ‬وحسناواته،‭ ‬وبهاء‭ ‬مساءات‭ ‬الروشة‭ ‬وجونيا‭ ‬وبحمدون‭ ‬وعالية‭ ‬وبرمانا،‭ ‬وسهرات‭ ‬مقاهي‭ ‬وحانات‭ ‬ومسارح‭ ‬وسينمات‭ ‬شارع‭ ‬الحمرا‭.‬

كما‭ ‬حميمية‭ ‬عواصمنا‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الخمسينيات‭ ‬والستينيات‭ ‬كانت‭ ‬القاهرة‭ ‬مدينة‭ ‬الأحياء‭ ‬العريقة‭ ‬برموزها‭ ‬الثقافية‭ ‬من‭ ‬الفنانين‭ ‬والأدباء،‭ ‬ففي‭ ‬‮«‬الجمّالية‮»‬‭ ‬عاش‭ ‬‮«‬شكوكو‮»‬‭ ‬فنان‭ ‬الشعب‭ ‬كما‭ ‬عاش‭ ‬‮«‬نجيب‭ ‬محفوظ‮»‬‭ ‬أديب‭ ‬الشعب،‭ ‬وهما‭ ‬رمزان‭ ‬لزمن‭ ‬جميل‭ ‬شهدته‭ ‬القاهرة‭ ‬القديمة‭ ‬وعاشته‭ ‬مع‭ ‬أشعار‭ ‬ورسومات‭ ‬صلاح‭ ‬جاهين‭ ‬ومسرح‭ ‬يوسف‭ ‬وهبي‭ ‬وسينما‭ ‬نجيب‭ ‬الريحاني،‭ ‬زمن‭ ‬زينات‭ ‬صدقي‭ ‬وعبد‭ ‬الفتّاح‭ ‬القصري‭ ‬وحسن‭ ‬فائق‭.. ‬زمن‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬في‭ ‬‮«‬زقاق‭ ‬المدق‮»‬‭ ‬ومحمد‭ ‬عبد‭ ‬المطلب‭ ‬في‭ ‬مقاهي‭ ‬‮«‬الحسين‮»‬،‭ ‬وزمن‭ ‬محمد‭ ‬طه‭ ‬في‭ ‬أعراس‭ ‬‮«‬بولاق‮»‬‭ ‬و«باب‭ ‬الشعرية‮»‬،‭ ‬وموشّحات‭ ‬محمد‭ ‬الكحلاوي‭ ‬في‭ ‬‮«‬السيدة‭ ‬زينب‮»‬،‭ ‬زمن‭ ‬فريد‭ ‬الأطرش‭ ‬في‭ ‬‮«‬جميل‭ ‬جمال‮»‬،‭ ‬وزمن‭ ‬شادية‭ ‬في‭ ‬‮«‬سوق‭ ‬على‭ ‬مهلك‭ ‬سوق‮»‬‭.. ‬الزمن‭ ‬الجميل‭ ‬البديع‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬يعود‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬الحنين‭ ‬فينا‭ ‬منتهاه،‭ ‬فلا‭ ‬زمن‭ ‬آخر‭ ‬لنعيش‭ ‬وقد‭ ‬اختفت‭ ‬وجوه‭ ‬من‭ ‬أحببنا‭ ‬عن‭ ‬مسرح‭ ‬الحياة‭!‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»