ينطوي الحوار الذي تحرص على تنظيمه وبثه الفضائيات المتخذة من ليبيا اسمًا لها، ومن خارج الحدود إرسالًا، وقبل ذلك إعدادًا، على الكثير مما يثير الاهتمام، ويحض على المتابعة وإدراك الدوافع والأهداف. لا فرق أن يتم ذلك بدوافع التأييد أو التصحيح، وربما المعارضة، كالذي قُدِّرَ لي أن أشاهده أخيرا تحت عنوان «المؤشر»، الذي تناول ما أُطلِقَ عليه «الراتب اللحظي»، واحتشد له عدد من العاملين في المجال الاقتصادي من مدخل الاختصاص الجامع بين الموقع القيادي والعلاقة بالقرار حين تمكنتُ من مشاهدة الحلقة التي بُثَّت يومي السابع والثامن من أغسطس، إذ أجمع المتحدثون في معرض ذكر الإيجابيات على أن تطبيق هذا التوجه سيؤدي إلى معرفة الرقم الحقيقي لأي مبلغ مالي يستحقه كل مواطن، بحيث يتكفل النظام المحاسبي المزمع تطبيقه بتجنيب المواطن تسويف بعض الأجهزة القائمة بإنفاق المال العام، وعدم الإفصاح الحقيقي عما تنفقه على الأفراد والجماعات من أموال كثيرا ما يشوبها انعدام المبرر المشروع جراء عدم إرفاقها بالمستندات المطلوبة، تلك التي لا تقف عند توقيع المكلفين بأوامر الصرف، وإنما تشترط بعض الضوابط كتعدد العروض المتعلقة بالأسعار، وتحديد السقوف التي لا يجوز تجاوزها، وثبوت الدواعي الفعلية لتطبيق حالات الاستعجال التي كثيرًا ما يتسلل منها الإخلال بحق المنافسة، وفتح أبواب المحاباة، فيكون في عدم مراعاتها عند صرف المال العام ما يفتح أبواب المحظورات التي لا مفر من إخضاع كل متجاوز لها إلى المحاسبة، وتلقِّي الجزاء اللازم بوصفها واجبة التطبيق، وباعثة على الإدانة، وتحمُّل التبعات «قانونية كانت أو أدبية».
لقد اختلفت الآراء بين المتحاورين حول التطبيق، وإن اتفقت من حيث المبدأ، ولم يفت البعض الدفع بما يسمونه «الانقسام» بوصفه المِشْجَبِ الذي يمكن أن يُحَمَّلُ عليه كل فساد أو إفساد.
وعندما ندخل في عداد الذين أيدوا مثل هذا التوجه، وحتى لا نُنعَت بمتطوعي تبرير ما يُطرَح بالفضائيات المصطفة، نود أن نعلل الموقف المؤيد لما سيُتيحُهُ من توافّر عديد الإحصائيات التي لا بد منها، للحيلولة دون ازدواجية الراتب التي أشار إليها بعض المتحدثين، وأكثر من ذلك من أحيلوا إلى التقاعد، وما زالت رواتبهم في جداول مقار عملهم مما أشار إليه ديوان المحاسبة، والحديث دائما للمشاركين في الحلقة التي نحن بصددها.
وقد نضيف من جهتنا إمكانية الوقوف على الفوارق بين من صاروا في زمن ما بعد العام 2011 في حكم الملوك الجُدد حين وصلت رواتبهم إلى العشرين ألف دينار، كما تحدث الكثيرون، ولم يحدث أي تصحيح من المعنيين.
وأخيرا، ليُعْرَف كم سيؤول لأمثال هؤلاء من الرواتب التي صارت تصل إلى 55% من موازنة البلاد، تلك التي تُسدد كاملة من إيرادات البترول الذي هو ثروة جميع الليبيين، تزخر به أرضهم جميعها، ومن حقهم أن يقتاتوا من دخله، لا فرق بين من عاد بالدعوة إلى زمن الملكية أو يُصر على زمن سبتمبر أو كان ضحية العهدين، أو تجاوز مردود العهدين. غير أن للحقيقة شمسها التي لا بد لها أن تشرق، فتنقشع أمامها جميع الغيوم، فتدفئ الأجساد البردانة، ويفر جميع تجار الظلام.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات