Atwasat

راحة البال.. كلاكيت ثاني مرة

جمعة بوكليب الأربعاء 20 أغسطس 2025, 02:18 مساء
جمعة بوكليب

يبدو أنني، بحسن نيّة، لمستُ عَصبًا حسّاسًا ومُوجعًا يتقاسم معاناته كثيرون، حين شكوتُ متألمًا، في مقالة نُشرت في الأسبوع الماضي، فقداني راحة البال. إذ بمجرد نشر المقالة في هذه الزاوية تلقيت رسائل ومكالمات هاتفية من أصدقاء ومعارف وقرّاء، من الجنسين، بشكل غير مسبوق. ما لفت انتباهي أنّهم جميعًا حرصوا على عدم التعليق في صفحتي الفيسبوكية، وكأنهم يخشون أن يعرف الآخرون مصابهم، أو كأن فقدان راحة البال بلاءٌ مستطيرٌ يجب ألا يعرفه الناس عنهم.

بعض الردود أضحكتني، أطرفها وصلني من الصديق الروائي محمد النعاس بقوله إنّه يعرف دارة تسمّى «دار السعادة»، تقع في ضاحية المرسى بتونس، ويتمنّى عليَّ الإقامة بها بعد انتهاء إقامتي في دارة راحة البال! فاقترحت عليه بدوري أن يجرّب هو شخصيًا الإقامة بها قبلي، ويعلمني بتفاصيل ما حدث.

ما تغاضيت عن الإشارة إليه في مقالة الأسبوع الماضي، وكان يتوجب عليَّ قوله، هو أن القنصل الهولندي كليفورد فان بروجيل، صاحب دارة راحة البال، لم يحظَ من راحة البال المأمولة في تلك الدارة حتى بحفنة صغيرة، إذ أصيب ولده الصغير بداء اضطره وعائلته إلى الاعتناء به في مقر إقامتهم بمبنى القنصلية، ثم استجدت أحداث أخرى حالت بينهم وبين الاستمتاع بقليل من راحة البال في تلك البقعة الجميلة من المنشية.

ويبدو أيضًا أن القرّاء الذين اطلعوا على المقالة، لأسباب كثيرة -أكثرها احتمالاً شدة توقهم لراحة البال- لم ينتبهوا لتأكيدي أن راحة البال لا يصيبها في الدنيا سوى قلة قليلة من البشر، ممن ينطبق عليهم قول الله تعالى: «إلا من رحم ربي».

نحن جميعًا نستقل المركب نفسه. بعضنا لحسن حظه يقبع في زوايا مريحة نسبيًا، وأغلبنا في زوايا ضيقة متعبة، إن لم تكن خطيرة. والمحظوظون منّا في ذلك المركب لن يهنأوا براحة البال، لأنهم لا يستطيعون أن يغضوا النظر عما يلم بالمسافرين الآخرين من ضيق وآلام وأوجاع. بمعنى آخر، فإن المتصوفة والزُهاد الذين رموا بأطماع الدنيا وراء ظهورهم، وارتقوا بمشاعرهم وأحاسسيهم توقًا إلى عالم روحاني لا يراه غيرهم، هم في الوقت نفسه، بسبب طيبة مشاعرهم ونبل مقاصدهم، يتألمون لمصابنا، وعدم قدرتنا على هزيمة أطماعنا وجشعنا وشهواتنا الدنيوية، وفشلنا في الارتقاء إلى عالمهم.

والسبب لأننا ولدنا وتربينا وعشنا وكبرنا في مجتمعات تفكر ببطونها، وتقضي كل حياتها وهو تمشي بعيون تنظر إلى أسفل بحثًا عن حبّة القمح، وبذلك لم تتح لأناسها فرصة النظر إلى أعلى، لأن حبّة القمح لا تنبت في السماء. هذه الحقيقة الأرضية المؤلمة واقع تعيشه المجتمعات والأمم والشعوب.

ومن نطلق عليهم أسماء المتصوفة والزُّهاد والنُسّاك، ومن شابههم، هم استثناء يؤكد القاعدة، إذ منذ ولادتنا حرص من سبقونا على تلقيننا وتحفيظنا قوانينهم، وفي مقدمتها يأتي قانون البقاء «اضربْ منقاركْ ما ينفع زِيو»، ولم يكن أمامنا سوى حفظ القانون والعمل وفقه.

لكننا في فترة متقدمة من أعمارنا، أي حين ندخل بأقدام مترددة مرحلة عمرية تُسمى الكهولة أو الشيخوخة، نبدأ في الالتفات في جميع الجهات، بحثًا عن شيء آخر غير حبّة القمح. شيء يقال إنه يُبذر وينبت وينمو في حنايا القلوب، ويشعُّ في ظلماتها ضياءً وبهجة وطمأنينة، يتيح أمام راحة البال البيئة المثالية للظهور. لكن تربته واحسرتاه لا تتوافر إلا في بعض القلوب وليس كلها، حيث إن نسبة كبيرة من القلوب تربتها شديدة الملوحة، ولا تصلح حتى لنمو نبات الشيح.

قد تكون راحة البال النجمة المضيئة التي يسمع بها الجميع ولا يراها إلا من رحم ربي، لكنها موجودة، ومن الممكن العثورعليها لمن تاق وجدًا إليها، وسعى بحثًا عنها بنور البصيرة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»