أنت تعرف جيدا قصة مدير مدرسة البنات، مثلما تعرف مذبحة غزة، وجميعا بلا مبالاة يمكن أن نروي القصة كالمذبحة، المدير الذي كان سكران في المصيف، فغطس في البحر على عجل ليفيق من السكرة، عند خروجه من البحر، وقف باص مدرسة البنات، البنات أخذن في التدفق من الباص، مديرهم من الارتباك، عند خروجه من الشاطئ سقط لباسه البحري «المايوه»، وقد أصبح عاريا، التقط مسرعا المايوه ثم به غط وجهه.
أنت علقت هذا تصرف سليم، كنت مأخوذا بالقصة وفي الوقت نفسه نسيت المذبحة، أو كأنك تتصرف كمدير المدرسة، فأنت كالجميع: تواجه بالتغاضي، مشروع ترامب الرئيس الأميركي لإبادة أهالي غزة، أي بتغطية وجهك، فما يحدث يحدث بإرادة قوى عظمى وحلفائها وأتباعها، أو هكذا فكرت.
من ناحية أخرى، أنت تعرف مثلا، أن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر أصدر كتابه الشهير: «عارنا في الجزائر» سنة 1961م، أثناء ممارسة جيش بلاده قمع الجزائريين، من ثاروا من أجل تحرير بلادهم. هذا الفيلسوف المناضل اتخذ حينها موقفا، مع الصهاينة وضد الفلسطينيين، وذكر أنه قد صرح بذلك عقب زيارته مخيمات لاجئين فلسطينيين. وحتى بعد ذلك وفي مؤتمر بباريس، يذكر المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، أنه عاد ليؤكد دعمه لإسرائيل، الدولة اليهودية!، دون أن يجد أي حرج بين هذا وبين عارهم في الجزائر.
ولعلك تذكر أن إدوارد سعيد أستاذ الأدب المقارن في جامعة كولومبيا الأميركية، قد واجه عقوبات تتعلق بكتابه «الاستشراق» الذي نُشر العام 1978، ثم فاز بجائزة جامعة كولومبيا لكنه لم يحصل عليها، فلقد امتنعت الجامعة عن منحها له، والسبب هو الضغوط السياسية التي تعرضت لها الجامعة، من قبل جماعات الضغط الصهيونية، التي اعتبرت الكتاب معادياً للسامية.
وعلى إثر ذلك جعلت الجامعة مكتبه مدججا بالزجاج المضاد للرصاص، وأن المكتب مربوط فيه جرس إنذار بمكتب أمن الجامعة، هذه الإجراءات الأمنية اتخذت بعد اعتداءات، وتهديد ووعيد من قبل تلك الجماعات الصهيونية في أميركا.
وهكذا أنت لست المبتدأ بل الخبر، فخلال ما يقارب العامين أي منذ 7 أكتوبر 2023 م وحتى الساعة، الخبر أنك تشاهد، تراقب، تتابع، ينتابك القلق*، وهات من هذا ومن سبل القتل، ما تمارس الدولة اليهودية في غزة، القتل إبادة، القتل جوعا، القتل حرقا، القتل بردا، القتل عطشا، القتل انهاكا، قتل الأطفال رعبا والشيخ والهرم وكل من لا حول له ولا قوة، وكل ذلك وغيره يقوم به جيش صهيوني جرار، مزود بأرقي أسلحة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، للقضاء على منظمة حماس ما عندهم لا تعد ولا تحصى.... إلخ.
أنت تعرف ذلك كما تعرف الكثير غيره قبل، لكن بعد أكتوبر 2023م، غدوت ترى بأم عينك وتسمع وتتحقق مما يحدث في غزة، أنت صرت تغوص في المسألة الفلسطينية، باعتبارها مسألة إبادة بشرية. البشرية التي تعد شاهد ملك تتابع صبح مساء، كما لم يحدث في تاريخها، هذا الإنجاز التاريخي للدولة اليهودية.
أنت واحد من هذه البشرية العارية التي تحجب وجهها المشين، وبهذا فإن العار، الذي يطال البشر في هذه اللحظة الاستثنائية، لا حجاب له ولا ممحاة ولا مثيل، وذكر فإن الذكرى تنفع لأن تجعل عارنا في غزة مشتركا: من تيمن ومن تطرف ومن تبقى من يسار، القومي والمتدين وما شابه، الحاكم والمحكوم، البشري ومن في حكمه، الشعوب والجماعات والأفراد، كل واحد وأحد فليس «ترامب*» فحسب، المسؤول عن أول عملية إبادة بشرية، في القرن الأول من الألفية الثالثة.
• غوتيريس: لا أستطيع، تفسير مستوى انعدام الرحمة والإنسانية، تجاه ما يحدث في غزة.
• ترامب: لا أعتقد أن هناك مجاعة في غزة، والأمر ربما يتعلق بسوء تغذية، فحماس تسرق المساعدات.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات