Atwasat

اليقينيات القاتلة

منصور بوشناف الخميس 24 يوليو 2025, 10:18 مساء
منصور بوشناف

في لحظات ركود المجتمعات الحضاري وتوقف نموها الاقتصادي والاجتماعي، تتحول فيها الثقافة لتصبح أهم الأسلحة والأدوات للدفاع عن هذا الركود وصد رياح التغير تتحول من نتاج للبنى الاقتصادية والاجتماعية إلى منتج فاعل في تلك البنى، إلى سدود ضد سيول التطوير الاقتصادي والاجتماعي، تتحول المعتقدات والعادات والتقاليد والآداب والفنون إلى مخترع وصانع لعراقيل تتجدد وتتطور لإيقاف التغير والتطور الاجتماعيين.

كل تلك الفعالية الثقافية تأخذ شكل التقديس للسكون والركود والحفاظ على «ما مضى ونتائجه الراهنة» ليسير «ابن خلدون وحتى ماركس» على رأسيهما لاعبين بأقدامهما كمهرجين مضحكين في كوميديا سوداء من تاريخ الأمة الراكدة.
في الفيزياء وفي كل خلق الله، لا خط مستقيم ولا سطح ساكن ولا سكون في الكون وكل ما في الكون متحرك ومتبدل ونسبي ولا مطلق في القوانين إلا قانون النسبية، فما نحقق من الحق نسبي ومن الخير نسبي ومن الجمال نسبي، فتحقيق الكامل المطلق من شأن الله وحده وكل ما ننجز ليس إلا تقربا لا إدراكا ووصولا.

الثقافة وفي لحظات الركود التاريخية للامة تتحول إلى «ميليشيا الزومبي» التي تبطش بكل جديد وبكل متغير، لإيقاف جريان النهر نحو المراحل والآفاق الجديدة.

في تلك اللحظات يكون الفكر قد تصلب وتحجر وسد مجرى الحياة وتجددها بسدود اليقينيات الصلبة الراسخة وغير القابلة للزحزحة والنقاش، لتبدأ تلك اليقينيات فعلها الحضاري التاريخي بقتل كل جديد في مهده، لتكرر مطاردة الفرعون لكل مولود جديد وقتله كي يبقى الفرعون والمملكة.

القطعان تطارد «الطفرة الجينية» لقتلها في مهدها كي لا تسود على حساب تركيبتها المتمصلبة المسيطرة، تلك الطفرة التي يمكن أن تكون الأنسب لمرحلة أخرى من مراحل التدافع والصراع.

في التاريخ الحضاري للإنسان ومسيرته الدامية، تلعب اليقينيات دور الجلاد للجديد، فتضرب بسيفها رقاب أطفال يولدون، وعلوما وآدابا وفنونا وأساليب حياة جديدة، منتصرة للثبات والتصلب ولما كان ويكون.
في تجربة التنوير والحداثة الأوروبية وبعد انتصارها على يقينيات العصر القديم شكلت يقينياتها لتكون سيفها البتار لضرب رقاب ما يجد من «شك وريبة» في تلك الثوابث التي ثبتتها يقينيات غير قابلة للنقاش.

اليقينيات ظلت قاتلة لكل جديد، وظل السؤال والشك والريبة معاول خلخلتها وتفكيكها، ظلت الفلسفة بقلقها وأسئلتها أداة الإنسان الأهم لفتح مسارات الحياة وتدفق جديدها، تشارك الآداب والفنون الفلسفة في كل ذلك، ولكن تتميز الفلسفة عن تلك الحقول بتعميق تلك الأسئلة وصياغتها بوضوح.

في تجربة «نجيب الحصادي» الفلسفية كان طرح الأسئلة وفحص الإجابات الجاهزة بذلك الشك «الإيجابي» وتلك الريبة، كانت خلخلة تلك اليقينيات الصلبة بحثا عن هشاشتها على مهل وبهدوء وتؤدة غريبين، أهم ما قدمه الحصادي للمشهد الثقافي العربي، في زمن يقينياته القاتلة والمتوحشة.

توطين الفلسفة في العصر العربي الحديث، بعد هجرتها لنا منذ محنة «ابن رشد» أخذ شكل النقل على خجل، ولم تفعل الفلسفة كفن للسؤال، وكهاجس للشك في يقينياتنا الصلبة إلا في وقت متأخر، فلقد ظللنا نبحث في العلوم وفي الفلسفة عن تأكيد ليقينياتنا «الزومبي» للتتحول الفلسفة إلى إنتاج مبررات الجمود والركون، ولتموت بذور سؤالها في تربتنا العقلية المتحجرة.

نجيب الحصادي وبجهود مخلصة للفلسفة أحدث في ليبيا أولا، نقلة مهمة في حقل تعليم الفلسفة وفي التفكير وذلك بزرع بذور الشك والريبة كمدخل ومنهج للتفكير الفلسفي، ليفعل فعل الماء في تفتيت صخور الجمود.

الفلسفة وعبر تجربة الحصادي الفلسفية تشتبك مع تلك الصخور في الواقع الاجتماعي، من أجل خلخلة اليقينيات القاتلة للمستقبل بكل أشكالها وأحجامها والتي ظلت تحكم على عقلنا لقرون طويلة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»