من ظلم كمولود تخرج، فتعيد المدينة مولدها ضاوية قبيل ميدانها الأبرز، سرتها، حلمتها ما يحب أن يرضعه ساكنوها، في اليوم مرة على الأقل، فإنه لزوم ما لا يلزم: ميدان الشجرة، بياصا كانى، ميدان عمر طمسون، ميدان الخالصة، ناسه خلص لميدانهم المخلص لما عمدوه به من اسم، نعت، وصف، هوية وعرض حال. ميدان الشجرة تحب أو تكره، تموت الشجرة، يبقى ميدان الشجرة، في تضاريس الذاكرة كوشم لا يزول، وأحب أو أكره هو الممشى، ما أستغرق فيه بكل حواسي بين التاسعة والربع والعاشرة من مساء كل ليلة، كل يصب في هذه القصعة الصغيرة، التي ضاقت بما وسعت.
كريم ميدان الشجرة، بضيق ذات اليد بصدر رحب، كعبة طقس مساء كل اليوم، وعصرها ميدان الحوت والحوت والصبارص عليهما أو كما يقول مثل شعبي. من يحب مدينته كما يحب البناغزة مدينتهم؟ هم يحبونها حتى الثمالة، وفي سكرهم يصبون جام غضبهم عليها، لهذا يطوفون كل رمضان بين الشجرة والحوت، في عراك، يتداعكون، يخطون ويلوحون، يعربدون، يحششون، يتنابزون. و«حيطه» يحط في ميدان الشجرة علامة، أيقونة تهكمها وتهتكها وتزمتها وتعصب أهلها لها وهي عصبهم.
عن الميدان غاب مقهى الرياضي الشهير، ووقفة كاتبها خليفة الفاخري، هذا المخلوق يسكن في أحد الفنادق في بنغازي ضيقة الصدر، وكانت غرفته لا تحتوي سوى آلة كاتبة، حزمة من الورق، منفضة سجائر، وبعض الأثاث القديم. وكان صامتا طول الوقت، ولكن عندما يطول الليل إلى حد تتمنى أن تحكى فيه لأحد ما، تنبعث - عبر الصمت - أصوات الحروف فوق الآلة الكاتبة، ممزقة سكون الليل، وأحلام النزلاء في الغرف المجاورة. ثم طفق الرواد يشتكون بلا انقطاع، لأنهم يريدون أن يحلموا فقط، على حين ظل يواصل حكاياته لآلته الكاتبة، شاعرا بصداقة الحروف، التي ستقبل ذات يوم عيون الآخرين المستغرقة الآن في نوم عميق.
لم يعد أمامه سوى أن يغير غرفته في الفندق نفسه. وتكررت الشكوى، وتكرر تغيير الغرفة، بينما لم يحدث أي تبدل في مسلكه، سوى أنه اكتشف حقيقة بالغة الأهمية، هي أن الغرف كلها واحدة سواء في الفنادق أو منازل الأهل أو الأصدقاء، أو حتى في البيوت المهجورة هناك، في أقصى الأرياف، أثناء رحلة ما، الشيء الوحيد الذي يتغير هو الإنسان نفسه. عندما تفتح عينيك في الصباح في غرفة جديدة، تشعر فجأة بالذهول، وتحاول أن تتذكر جيدا، في لحظات استيقاظك الأولى، أين نمت ليلة البارحة، محاولا أن تتعرف على الجدران، الأثاث، وجهة النافذة أو مكان الباب، إلى أن تكتشف أنك نمت في غرفة أخرى أو منزل آخر، وليس في حجرتك المعتادة! ذلك المخلوق لم يعد يعتاد هذا الشعور، لم يعد يشعر بالحيرة حين يستيقظ، ذلك أنه أدرك أن السقف واحد، وأن الأرض واحدة، وأن الإنسان وحده هو الذي يضع الفروق بين الغرف والمنازل والمدن، وبين البشر كذلك.
حين تهب ريح القبلي في بنغازي، يسترسل خليفة الفاخري في حكيه، في بنغازي ضيقة الصدر، تصبح وجوه الناس حالكة كالحة، وحين ينهمر المطر يكسوها شعور غامر بالاستياء، لأن الكثيرين لا يفكرون إلا في الغدران التي ستملأ الطرقات. ولكن إنسانا ما، في مكان ما، يظل جذلا عبر انهمار المطر، مفكرا فقط في موسم الحصاد. فيما تقف أنت خلف النافذة، في الغرفة 211، رانيا إلى عروق المطر فوق الزجاج، منصتا بين حين وآخر إلى أولى الأصوات المنبعثة في المدينة عند الفجر، إلى صيح الديكة، ونباح الكلاب عبر السكون، حالما بأن المطر قد غسل المدينة الآن، والناس.. وجعلهم طيبين تماما. إنك تنظر، وتسمع، وتحلم، مدركا، أثر انحباس المطر، أن الشمس ستنهض بعد قليل، وأن عليك أن تنهض أنت أيضا لكي تسعى في أرض الله. وتقول الحكاية الحادية عشرة... ما أبعد الطريق!
.. تقطع الطريق نحو الميدان، وإن تمترست سينما النجمة منزوية في ركنه، ففي الميدان ترسخ وتوتد السكليسته: محل تصليح وتأجير الدرجات الأقدم من القدم، سي الجهاني من تشبث منذ نصف قرن بأن يكون الدراج، في زاويته الحسان سليم/ الحلاق القديم، العجوز زوج العجوزة بنغازي، حارس الميدان ميدان الشجرة، وإن ماتت الشجرة فإنه حي كالمدينة الحية، من تغير جلدها وتلبس لبوس كل وقت، غضة ومراهقة تتموض بكل موضة، حاضنة كل غريب.
ثم هذا المساء، ككل مساء، نتخذ تكية عين الغزالة مجلسا، ولمن غاب عن مدينته وعن ميدانه كما غابت شجرته، فإن عين الغزالة مقهى، ككل مقهى جديد يتخذ مكانا قديما ولى زمانه أو وهن عظمه أي شاخ، ومن عقبه ابنه ما ذل ولا زال. في هذا المقهى أحط الرحال، مساحة اللقيا ومستراح المودة، كل ليلة غب أن يصلي الناس التراويح، نهرع لترويح عن أنفسنا، نهرع كمصروعين، ومن ذاك فقد نعتننا إخواننا السودانيون بـشعب الله المستعجل، من أجل لعب الورق، والتسكع في ميدان الشجرة، الكمشة قبضة اليد، في الميدان حيث مقهى عين الغزالة محل كاريداكس للمجوهرات سابقا، ما ذكرني به من لا ينسى، عين الغزالة ضيق كما الميدان، طاولات في عد أصابع اليد أقل أو أكثر بقليل، مودرن أو كما مقاهي الدنيا في هكذا زمان.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات