في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتبدل فيه المعطيات، تبقى أمتنا العربية أسيرة فتاتٍ من تاريخٍ مرّ وعبر، تختلط فيه الحقائق بالأساطير، وتضيع فيه الرؤية بين عبق الماضي وأوهام الحاضر. نحن نعيش اليوم على رواياتٍ تلوّنت بخطوط الخيال أكثر منها بالوقائع، وعلى سردياتٍ لا تسعفنا لفهم واقعنا المعاش، ولا تساعدنا في رسم مستقبلٍ مختلف.
ذلك الماضي، الذي كان يومًا منارات تضيء الدروب، تحوّل اليوم إلى سرابٍ يغري العيون لكنه يقتل العقول، حيث نسجنا من مآثر الأسلاف أغطية ثقيلة تخنق روح المبادرة، ونمنا على أريكة الأساطير، غارقين في أحلام لم تعد تجد مكانًا في واقع يئن من أوجاعه.
في هذا السرد المتكرر، تختلط همسات الحكايات بالعواصف العاتية من الواقع، فنجد أنفسنا بين حلمٍ بلا زمن، وواقعٍ بلا أمل، نلهث خلف صدى أصوات الماضي، وننسى أن نكتب فصول الحاضر بأيدينا، فلا نملك قرارنا إلا في خيالٍ نسجناه بأيدينا.
لم نعد نملك قرارنا: بين وهم التاريخ ومرارة الواقع
حين نُمعن النظر في واقعنا العربي اليوم، لا يسعنا إلا أن نُقر بأننا نعيش على فتات من تاريخ وتراث بات في أغلبه مزيجاً من الأسطورة والخرافات، يختلط فيه المجد التليد بالخيال المفرط، ليُصبح نسجاً من سردياتٍ لا تعكس حقيقة حاضرنا، ولا تستوعب واقعنا المُعقّد.
لقد تحوّل تاريخنا ـ أو بالأحرى، ما نُسمّيه تاريخاً ـ إلى قصص تُروى بألسنةٍ متشبّعة بالرغبة في تمجيد الذات، ولكنها، للأسف، أضحت بمرور الزمن سجناً يُكبّلنا ويقيّد خطواتنا نحو التقدم. هناك حيث يقبع المجد القديم، حيث تلتقي الأسطورة بالحقيقة، تقبع أمتنا أسيرة لحكاياتٍ مكرّرة، تُحلى بالعسل
الممزوج بالكذب، يُغشى على عيوننا بأوهام التميّز والتفرد، وكأن تلك الأساطير هي التي ستعيد لنا أمجادنا المفقودة.
قال المفكر العربي محمد عابد الجابري:
«الأمة التي لا تعرف تاريخها، أو ترفضه، هي أمة بلا ذاكرة، وبلا هوية، وبلا مستقبل».
من الأمثلة التاريخية على ذلك، تمجيد بعض العصور الذهبية كالعصر العباسي أو الأموي، وكأن الزمن توقف عندها، متجاهلين قرون الانحطاط والتراجع التي أعقبتها. حتى الرموز التاريخية، مثل صلاح الدين الأيوبي، صاروا في أحيان كثيرة أكثر أبطالاً لقصصٍ وأساطير منها كائنات بشرية بفعلها وتاريخها الحقيقي.
أما على الصعيد المعاصر، فكم من شعارات وطنية وأيديولوجيات معلّبة تدّعي أنها الطريق إلى المجد، لكنها في الواقع تعيدنا إلى دوائر مفرغة من التخلف السياسي، والفساد، والانقسامات الطائفية والعرقية. نرى دولاً وأوطاناً عربية تعيش صراعات داخلية لا تنتهي، بينما تظل الشعارات القديمة تُرفع دون أن تتبدل ممارسات السلطة أو تُفتح آفاق التغيير.
كتب المفكر الغربي إرنست رينان:
«الأمة ليست سوى الروح، والتاريخ، والذاكرة المشتركة. ولكنها تتطلب أيضاً نقداً ذاتياً دائماً، وإعادة تقييم مستمرة».
نحن العرب، اليوم، نُرزح تحت وطأة قيودٍ داخلية وخارجية، تتغذى من حالة الضعف والهشاشة التي صنعناها بأنفسنا عبر تمسّكنا بالماضي كعلاج لكل ألم حاضر. نحن لم نتقدم إلا في نسج الخيال، وحكايات مُزخرفة بمجدٍ مزيف، وتاريخٍ يقتصر على ترديد شعاراتٍ رنانة، لا تعبّر عن واقع ملموس. ما زلنا نرتشف من شراب سراب لا يروينا، وننام على فراش حريرٍ منسوجٍ بحبال الميتافيزيقا التي تبعدنا أكثر فأكثر عن أرض الواقع.
في هذه الحالة، لم نعد نملك قرارنا، لأننا اختزلنا أنفسنا في قوالب جاهزة، نمضي بها في دروب معتمة، نُخفي خلفها غياب الرؤية الواضحة، ونستخف بأهمية التجديد الحقيقي في الفكر، والممارسة، والسياسة، والاجتماع. نمارس اللامبالاة تحت شعار الحفاظ على الهوية، ونرتضي أن نكون أسرى ماضيّنا الأسطوري، متجاهلين أن الهوية الحقيقية هي تلك التي تتجدد وتتطور مع حركة الزمن.
التاريخ الحقيقي للأمم العظيمة ليس مجرد صفحات مملوءة بالمجد والأساطير، بل هو سجلّ من الأخطاء والانكسارات، ومن مواجهة الواقع بشجاعة، ومن التجديد المستمر الذي يبني الحاضر ويصنع المستقبل. أما نحن، فما زلنا نغرق في بحار الخرافات، نلهث خلف صورٍ مزيفة من المجد، لا تلبث أن تتلاشى مع أول اختبار للحظة الحقيقية.
كما يقول المفكر عبد الرحمن منيف:
«الذاكرة التاريخية ليست مجرد استدعاء للماضي، بل هي القوة التي تمنحنا القدرة على بناء المستقبل».
إن التقدم الذي نتمناه لن يتحقق إلا بفهم عميق وحقيقي لتاريخنا، لا كحكاية تُروى فقط، بل كدرس يُستلهم، وبكل أمانة، مع التخلي عن البروباغندا والادعاءات الفارغة. علينا أن نواجه واقعنا بشجاعة، وأن نُعيد بناء أحلامنا على أسس متينة من العلم، والعمل، والتفكير النقدي، لا على أوهام الماضي.
فلتكن بداية الخروج من هذا النفق العميق الاعتراف بأننا ـ رغم كل ما يُقال ـ لا نملك قرارنا لأننا لم نتحرر بعد من قيود الأساطير التي صمّمناها لأنفسنا. ولن يكون التحرر إلا بخطوات صغيرة، مدروسة، تبدأ بإسقاط تلك الأقنعة التي تحجب الحقيقة، وتسمح للواقع أن يخرج إلى النور، فلا يضيع بين طيّات السرد المكذوب.
وهكذا نمضي، نجر أذيال الخيبة خلف أمجادٍ لم نعشها، ونحمل فوق ظهورنا ذاكرة مثقلة بالأساطير والانتشاء المزيّف. نغني للماضي، وننشد للتراث، ونُسقط الحاضر في هوة النسيان. نُعيد تدوير الشعارات، ونحشو الوعي بما لذّ وطاب من المجد الورقي، ظنًّا أن الصدى يمكن أن يكون صوتًا.
لكن الحقيقة المُرّة تظل تصرخ في وجوهنا: لا نهضة لمن يعيش على فتات التاريخ، ولا كرامة لأمةٍ بلا قرار، ولا فجرَ يُولد من رحم الخرافة.
ولذلك، سنظل، ما لم نستفق،
نغط في نومٍ عميق.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات