Atwasat

(الفيلم الروائي) صناعة تغيب لتحضر بقوة! (3-3)

سالم الهنداوي الخميس 29 مايو 2025, 11:14 صباحا
سالم الهنداوي

على الرغم من تطوُّر تقنيات الإنتاج السينمائي، إلا أن عدداً من مخرجي الأفلام الروائية، الطويلة منها والقصيرة، يعتمدون على مسحة تلك العدسة العريقة التي أنتجت الكثير من الأفلام التاريخية والتسجيلية الخالدة، حتى أن مناهج دراسة الإخراج والتصوير السينمائي في المعاهد والجامعات قد تنوعت موادها بين مدارس الكلاسيكية والحداثة، فلا قفز على قيمة الإنتاج الفني لمجرد تطور تقنيات التصوير الرقمي والصوتيات والذكاء الاصطناعي، وهي وسائط تقنية أضافت الكثير لصناعة السينما الحديثة، لكن لا تحتاجها كل الأعمال السينمائية، وعلى رأسها الروائية.

في التصنيف العام للإنتاج السينمائي العالمي تُعتبر الأفلام الروائية من الأعمال التاريخية نتيجة المشترك الروائي بينهما، وإذا ما كان الفيلم الروائي أدبياً خالصاً، أو مأخوذاً عن رواية أدبية، فإنه سيكون عملاً تاريخياً بطبيعة الحال لاعتماده على الأحداث.. فيلم «عمر المختار» مثلاً كان من الأعمال التاريخية التي اعتمدت على الروايات في توثيق الأحداث، وهو إذن عمل روائي تاريخي وليس أدبياً، وهو الأقرب إلى التسجيلي منه إلى الدراما. كما أن وقائع العمل التاريخي ليست نتاج خيال كما في العمل الروائي الأدبي، ومن الوقائع ما هو أبلغ من الخيال، كما ظهر في هذا الفيلم وفي العديد من الأفلام العالمية الضخمة عن الحروب التاريخية مثل فيلم (العدو على الأبواب) الشهير باسم (ستالينغراد).

كان لمستويات الصراع الإنساني في روسيا وأميركا اللاتينية وفرنسا، الأثر الكبير في ظهور سلسلة من الروايات الإنسانية كانت من نصيب عددٍ من الروائيين الذين عاشوا تلك الحقبة من الزمن وملكوا تفاصيلها، لتظل روايات مثل «البؤساء» لفيكتور هوجو، و«الحرب والسلام» لليو توليستوي، و«بيدرو بارامو» للمكسيكي خوان رولفو، من أعظم الأعمال الروائية التي خلّدتها السينما العالمية، ومن طقوسها لمعت جواهرها المطموسة في تاريخ الشعوب والحضارات، ولتجعل العالم تحت سقف سينما واحدة برؤى بصرية تتفاعل مع زمن الرواية وخيال كُتّابها.

في هذه التجربة السينمائية المميّزة نافس العديد من كُتّاب السيناريو الرواية الأدبية وكتبوا أعمالاً بعضها تجاوز تلك الرؤى المشهدية في الروايات الأدبية الأصيلة، وتميّزت أعمالهم بحرفية عالية نالت عند عروضها إقبالات جماهيرية واسعة على مستوى العالم، كما حصدت ولسنوات أهم جوائز مهرجانات السينما العالمية، ومن هذه الأفلام «السيناريستية» كان فيلم «تايتانك» إنتاج 1997 للسيناريست جيمس كاميرون و«الجوكر» إنتاج 2019 للسيناريست سكوت سيلفر، فلا يخلو عمل الإدهاش الروائي في الفيلمين الجديرين ليُضافا إلى سلسلة مهمة من أفلام كتّاب السيناريو المبدعين، مثل فيلم «دكتور سيفاجو» إنتاج 1965 للسيناريست روبرت بولت، وفيلم «العرّاب» إنتاج 1972 للسيناريست ماريو بوزو.. ولا ننسى هنا الدراما التلفزيونية في إنتاج مسلسل «الجذور» للأميركي أليكس هيلي وبطله الشهير كونتا كينتي الأفريقي الغامبي المسلم الذي جسّد أعظم ملحمة إنسانية بمزيج من الوقائع الحقيقية والخيالية تم إنتاجها في سبعينيات القرن الماضي.

عربياً برزت أسماء كثيرة من السيناريستية والمخرجين المجددين الذين نقلوا الشاشة الصغيرة إلى مشاهدات درامية بتقنيات السينما المتجدّدة، فعالم المسلسل الروائي الذي أمتعنا به الكاتب «أسامة أنور عُكاشة» في مسلسلات مثل «الشهد والدموع» بجزئيه، و«ليالي الحلمية» بأجزائه الخمسة، يظل الأبرز في تاريخ الدراما الملحمية على التلفزيون العربي في عقدي الثمانينيات والتسعينيات، لتأتي الإضافة الأهم في أعمال السوري «نجدت إسماعيل أنزور» الذي أبدع ثلاثية «الجوارح، والكواسر، والبواسل» في تيمة ملحمية من الخيال الأسطوري العربي، يليه الراحل «حاتم علي» وعبقرياته في إخراج أهم المسلسلات التاريخية العربية منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى رحيله، مثل «ملوك الطوائف» و«الزير سالم» و«التغريبة الفلسطينية» و«صقر قريش» و«ربيع قرطبة» و«الملك فاروق» إضافة إلى عديد الأعمال الدرامية مثل «الفصول الأربعة» و«قلم حمرة».

أما على المستوى المغاربي فقد تميّزت صناعة السينما والدراما التلفزيونية في تونس والجزائر والمغرب بالروايات القصيرة التي تماهت معظمها بتجربة السينما الفرنسية في اعتمادها على التصوير الصامت واستخدام التعابير والحركة أكثر من الحوار، ما يجعل الخيال يصل بالمشاهد إلى ذروة التفاعل مع الدراما والإحساس بتأثيرها الوجداني. وهي لغة سينمائية مهمة في غموضها، وكان الراحل «يوسف شاهين» استخدمها في فيلم سيرته الذاتية «حدوتة مصرية» و«إسكندرية ليه» و«إسكندرية كمان وكمان»حيث تتصاعد الدراما الحسّية بواسطة حركة الكاميرا وكوادرها وتعابير الأداء.

عام 1990 حضرت أيام قرطاج السينمائية ونشرتُ تغطية مصوّرة بمجلة «الموقف العربي» التي كانت تصدر في قبرص، تناولت فعالياته والأفلام المشاركة وآراء لممثلين ونقاد ومخرجين من بينهم «فريد بوغدير» الحائز جائزة التانيت الذهبي عن فيلمه «عصفور السطح» أو «الحلفاوين». وكانت المحاكاة واضحة في أفلام السيرة التي قدمها يوسف شاهين وبوغدير وعدد من المخرجين الأفارقة الذين جمعتهم الرؤية السينمائية كما جمعتهم الصفوف الأمامية للعروض المتماهية مع أدب «السيرة الذاتية» التي وجدت مكانتها في الأفلام كما في المسلسلات.

كانت الرواية الأدبية وراء إنجاز أهم الأفلام السينمائية ومسلسلات الدراما التلفزيونية منذ مطلع ستينيات القرن الماضي من خلال سلسلة من المسلسلات الروائية التاريخية مثل «الضحية» و«الرحيل» في خماسية «الساقية» للروائي عبدالمنعم الصاوي وإخراج نور الدمرداش الذي أخرج كذلك في تلك الفترة مسلسل «هارب من الأيام» للروائي ثروت أباظة، وكانت مثل هذه الأعمال أسّست للدراما العربية وبرزت من خلالها مواهب عدد من النجوم مثل الراحل صلاح السعدني الذي واكب مسيرة هذه الملاحم الأدبية منذ «الساقية» وحتى «ملحمة الحب والرحيل»، مروراً بـ«ليالي الحلمية» و«حلم الجنوبي» و«أوراق مصرية»، وليكون وعدد من أبناء جيله، خاصة في مصر وسوريا، من أهم الفاعلين في تحوّلات الدراما الملحمية في الوطن العربي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»