Atwasat

من الحراسة إلى الحصانة: حين تصبح التجربة امتيازاً دائماً!!

طارق القزيري الأحد 27 أبريل 2025, 11:35 صباحا
طارق القزيري

تصادف أن نُشِر مقالي «نافورة الإبداع» في بوابة الوسط، بعد نشر مقالة للكاتب «توفيق الشقروني» رغم أن مقالتي كتبت ونُشِرت في موقع صحيفة الناس قبل ذلك، ويقيني أن السيد الشقروني لم يطلع عليها حتى نشر مقالته – والله أعلم – مما يشير إلى أن قضية ما يسمى بجيل «الكبار» في المشهد الثقافي الليبي أمر واقع، وبمعزل عني، وعنه؛ ستقابلك مئات الاستشهادات كشكاوى في الصدد.

تبرير وتعالٍ!!
لكن المثير هو الردود التي تستطيع حصرها في ملامح عامة وثابتة، ولن أذكر هنا أمثلة، للنأي بالطرح عن الشخصنة:

من أول ملامح رفض أطروحة «إقصاء الشباب» و«هيمنة الكبار» تلك السردية المضادة، التي تعيد في العمق إنتاج إشكالية السيطرة الرمزية التي تحاول إنكارها. فحين يبدأ الكاتب بالدفاع عن الجيل السابق، لا يقدم مقاربة موضوعية لحالة المشهد الثقافي، بل ينزلق إلى منطق التبرير والتعالي الأخلاقي، ويحمِّل الجيل الجديد – ضمناً – مسؤولية إخفاقاته، متغاضياً عن طبيعة الأزمة البنيوية في الثقافة الليبية التي تصيب الجميع، بمن فيهم هو / هي، لا جيلاً بعينه.

وتبعاً لذلك تتحول القضية من ملاحظة واقع ثقافي عام، إلى ما يشبه المرافعة الذاتية أكثر من كونها تحليلاً نقدياً، وتتحول النصوص المفترض أنها موضوعية إلى ما يشبه سيرة ذاتية مقنّعة، حيث يروي ما يسمى بــ«الكبار» تجاربهم الشخصية مع النشر والمشاركة الثقافية، كدليل على شرعية الحضور والاستحقاق.

رجل القش
لكن هذا النوع من الاستدعاء العاطفي لا يُقدّم حجة معرفية أو تحليلاً موضوعياً؛ بل يُوظف لتبرئة الذات والجماعة، ويعكس نزعة دفاعية أكثر من كونها تحليلية. هنا تتم الإزاحة من الناشر أو مسؤول التحرير إلى الكاتب (كبيراً كان أم صغيراً). والحقيقة أن المقصود عادة بالنقد ليسو الكتَّاب من حيث هم كتَّاب، وإلا كانت صفحة صندوق البريد أو القراء مستهدفة أيضاً.

الإزاحة عبر «مغالطة رجل القش» حين يتم دحض الحجة في غير موضوعها. يرد «المخضرمون» عادة، على الشقروني ومن هم مثله عبر منطق تخييلي غريب، فهم يناهضون صورة الجيل الأحدث بعد تصويرهم كشباب غاضب يطالب بالتكريم بلا منجز، ويحمّل «الكبار» كل شيء.

وهذه المغالطة المنطقية الشائعة تجسد الكاتب الشاب ككائن انفعالي، بدلاً من أن تتعامل مع أطروحته بجدية معرفية. هل فعلاً قال الشقروني إن «كل» الكبار يهيمنون؟ هل طالب بالتكريم قبل المنجز؟ أم طالب بفرصة لينجز، واعتراف ليصبح، أم أن عادة «الكبار» تجاهل الأسئلة الجوهرية ومهاجمة الشكل والانطباع؟

خلط الرمزي بالمؤسسي!!
تخلط نصوص النخبة «المبجلة» بين الرمزي والمؤسساتي، حيث السلطة الثقافية كقوة رمزية مقابل «الهيمنة المؤسساتية» كواقع مادي. والردود على اتهام «الهيمنة» يتمحور حول الدفع بأن «الكبار» لم يكونوا جزءاً من مؤسسة، وكأن السلطة لا تُمارس إلا من داخل هياكل رسمية. بينما الهيمنة الثقافية، كما يعرفها بورديو (مثلا) تبنى في الحقول الرمزية عبر تراكم رأس المال الرمزي، لا بالضرورة من خلال مؤسسة رسمية.

سيطرة «الأسماء الكبيرة» قد تكون عبر علاقات مجاورة للسلطة، لا داخلها. وهكذا تتجاهل نخبة الهيمنة حتى النظريات التي تظن أنها تستحق التقدير لأنها – كما تزعم – تتعاطاها معرفياً. الهيمنة لا تحتاج إلى وزارة ثقافة، بل إلى تراتبية ضمن الحقل الثقافي تعيد إنتاج الاعتراف من داخل الحقل ذاته.

ومع كل ما تقدم، يبعث على غيظ الشباب، تلك النبرة الأبوية الفوقية التي تنسف مبدأ المشاركة الثقافية، واعتبارات المجايلة والتوالي، فعادة ما تقرأ نصائح آمرة – ناهية: «لا تنتظر، لا تشتك، لا تتهم، لا تطرق الأبواب بل افتح النوافذ». هذه الصياغات الجميلة تتظاهر بالحكمة، لكنها تخفي في طيّاتها نبرة أبوية تعيد إنتاج منطق السلطة ذاته، وتُكرس انفصالاً رمزياً بين «من وصل» و«من يحاول». وإشعار دائم بأن مصير من «يخترق» أنه ســ«يحترق». ليعود تكريس التراتبية لا تفكيكها.

مسالك الأطهار:
وبالضمن من كل ما تقدم، تغيب المساءلة الذاتية، لا أحد من هولاء يتوقف لحظة واحدة ليسأل الأجيال اللاحقة: هل ترى أن ثمة تقصيراً ما؟ هل أسهم البعض - بقصد أو بدونه - في إقصاء آخرين؟ هل حاول «البعض» استخدام علاقاته في تشكيل المشهد على مزاجه؟.

أسئلة كهذه مرعبة لدى «المخضرمين». لذلك فتكتيك التعميم بالإدانة، والتعميم بالبراءة؛ ونفي التهمة عن الجميع؛ يجعل المحاججة تفقد أي صدقية نقدية، وتجعلها خطاب تبرئة أكثر من كونه تفكيراً مسؤولاً.

من النادر أن نجد في هذه النخبة، من يركز على غياب المؤسسة الثقافية في ليبيا، إلا إذا منع من السفر مثلا، وقُدَم غيره – كبيراً كان أم صغيراً - لتمثيل الثقافة. والواقع أن المعضلة الأكبر ليست في «جيل الكبار» أو «مطالب الشباب»؛ بل في غياب البنية الحاضنة التي تصنع تداولاً ناعماً وطبيعياً للأجيال، دون الحاجة لاتهامات أو دفاعات.
قد يبدو هذا المقال فجاً وقاسياً، لكن استمراء تجاهل فقر المؤسسات، وبؤس قيادتها، وغياب رؤيتها، وأزمتها البنيوية يعيد النقاش إلى شخصنته الأولى. القضية ليست صراعاً بين جيلين أو أكثر؛ بل بين خطاب يحتكر الذاكرة، وآخر يحاول أن يصنع المستقبل دون إذن مسبق.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»