لن أبدأ بسرد تاريخ النص المسرحي والإخراج المسرحي، فأعتقد أن سرد هذا التاريخ بات معروفا ومكررا، وسأدخل مباشرة في تحديد مصطلح واحد سأتناوله هنا وهو «النص المسرحي».
النص المسرحي هو نص أدبي أولا، ينتجه مؤلف أو أديب، هو نص للقراءة وهو أيضا نص قابل للتمثيل، مع ملاحظة أن قابليته للتمثيل تظل كامنة فيه وغير متعينة حتى يبدأ المخرج والممثلون في تجارب أدائه، قبل ذلك ليس النص وإن كان مسرحيا إلا نصا أدبيا، مثله كالقصة أو الرواية أو الملحمة أو الحكاية، إلخ من أشكال السرد الأدبي.
النص المسرحي هو نص يسرد أو يروي أو يصور حدثا تصنعه شخصيات أو شخصيات تصنع حدثا يتطوران معا «شخصيات وحدثا» نحو نهاية ما.
تتنوع طرق وأساليب كتابة هذا النص المسرحي وذلك لتنوع واختلاف الثقافات والمعتقدات والعادات والأعراف بين مجتمع وآخر وعصر وآخر. هذا التنوع و الاختلاف هما مصدر أو أصل ما عرف من مدارس وتيارات فكرية وأدبية أسهمت في كتابة وتطوير هذا النص المسرحي.
فضاء النص المسرحي، ولا أقصد هنا بفضاء النص المسرحي خشبة المسرح ولا المساحة الفارغة «كما يقول بروك»، ما أقصده هنا هو الورق، فضاء النص المسرحي الأول، حيث تتخلق الشخصيات والأحداث وتتعين في مكان محدد وزمان محدد، هذا الفضاء أو هذه المساحة الفارغة والمحددة هي موطن التعين الأول لشخصيات وصراع وأحداث، لعواطف وأحاسيس وأفكار ومعتقدات، كانت قبل هذا التعين قد عاشت تخلقها الأول في فضاء آخر هو خيال المؤلف، ليكون الورق مسقط رأسها أو منفاها وتفاعلها وتحولاتها التي سيفرضها عليها هذا الفضاء الأبيض، حيث سيكون تحولها من السيولة إلى الصلابة والتماسك، وإلى الاغتراب في المنفى الأول.
من سمع سيمفونية بيتهوفن الخامسة مثلا؟
الجواب بسيط ملايين الناس سمعوا خامسة بيتهوفن.
الناقد الإنجليزي كولن جورد يقول بثقة كاملة لم يسمعها أحد، ولن يسمعها أحد.
هذا الإنجليزي العابث يشرح قوله على هذا النحو: تكونت خامسة بيتهوفن في خياله ومن عواطفه الخاصة، من آلامه وآماله، وهدرت سيولها في داخله وشرع كما عليه أن يفعل في تفريغها في فضاء الورق الأبيض الضيق وبحروف موسيقية سبعة كان عليه أن يحشر تلك السيول بل تلك الأكوان التي تخلقت داخله في ذلك الفضاء الضيق وتلك الحروف المحدودة ليضيع الكثير منها وتحد قدرات الأصوات وقدرات السمع من سماعها، ثم يتسلم هذا الجزء المتعين على فضاء الورق الموزع والمايسترو ثم العازفون لتتعين في فضاءات خيالاتهم لتحدها قدرات آلاتهم ومهاراتهم وتتبعد أكثر وتتحول بعيدا عن سيول وأكوان بيتهوفن ليتلقاها الجمهور وتتبعد أكثر، لا أحد سمع خامسة بيتهوفن.
النص المسرحي كغيره من أعمال التأليف الخيالي يعيش منفى دائما واغترابا لا نهاية له، وذلك ليس مصيرا مأساويا على أية حال فهو منحة خلوده، فهو إن كان نصا أدبيا حقيقيا وقابلا للتمثيل، سيظل قادرا على مغادرة منفى الورق إلى وجود الخشبة، إلى بصر وبصيرة الجمهور.
النص الأدبي المسرحي، وككل الأعمال الأدبية والفنية، يظل يهاجر من منفى إلى منفى، «من خيال الكاتب إلى منفى الكلمات وفضاء الورق، ثم من فضاء الورق إلى خيال المخرج إلى خيال وروح وجسد الممثل إلى مؤلف السينوغراف إلى خيال المتفرج إلى ما لا نهاية من السيولة والصلابة، من الولادة والشيخوخة، من التجريد والتعين «وفي كل موت وقيامة لذاك النص، يعيش عصر بعثه الذي بعث فيه، على الرغم من أن ميلاده الأول ومنفاه الأول قد مرت عليه قرون من الزمن.
النص المسرحي وككل نصوص الآداب وأعمال الفن، لا زال وإلى يومنا هذا اختراع الإنسان الأكثر قدرة على مقاومة العدم.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات