Atwasat

الكتابة في الليل!

سالم الهنداوي الخميس 17 أبريل 2025, 11:48 صباحا
سالم الهنداوي

ما عادت تغرينا المواقيت بمواعيد الكتابة الأدبية وقد أصبح الزمن قصيراً مثل بصيص نجمة تغيب وراء غيمة، كما لم نعُد نملك تلك الجلسات التأمُّلية الطويلة في مقاهٍ اعتدنا ارتيادها في الصباح وفي المساء.. حتى مشاويرنا الهادئة على أرصفة المدينة غابت وتلاشت مع المدينة التي كانت لنا في العقود البهيجة نزرع نهارها بالأمل ونحرس ليلها بالكلمات المضيئة.

كل المدن العريقة بأسرارها العميقة في الوجوه والحيطان كتبت أسرارها بأقلام مبدعيها من كتَّاب القصة والرواية، وبأعمال فنانيها من الملحنين والمطربين والرسامين والمسرحيين، فكانوا جميعهم قلبها النابض بالحياة، بدونهم لا تبدو مدينة للحياة ولا أهلها أحياء.. إنه تاريخ المدينة المتكامل الذي تكون بطوبها وناسها، وبحركات كفاحها الطويل وأنوالها التي نسجت الهُوية وكانت في الزمن الغارب مصدر حكاية جيل نشأ على أعتاب المعرفة بقليل من ضوء الليل في البيوت العتيقة.

يستحوذ الليل على اهتمام شعراء وفنانين تشكيليين كثيرين، سواء من خلال الكتابة عنه أو التمتع بطقوسه وكائناته، ومن يراجع صفحات الكتب الأدبية يلاحظ أن الليل كان أكثر حضوراً من النهار، ربما بسبب سكونه ونجومه وخفاياه ومسارحه وأحلامه.

يعتبر الروائي الأردني «أيمن العتوم» الكتابة لحظة ولادة، لحظة اشتعال، لحظة خَلْق، في لحظة الخلق تلك ينفصل المُبدِع عن العالم المعيش، ويتحد مع مولوده، فهل لهذه اللحظة طقوس خاصة، هل هي سفر في عالم اللاوعي؟ العالم الذي ينزاح عن الواقع لصالح الغامض والمُتخيّل. هل هي لحظة انخطاف؟ انخطاف على الصعيد الروحي أم الجسماني، أم على صعيديهما معاً؟ وفي عالم الانخطاف لا بُدّ أن يكون كل شيء مختلفاً، هل هذا المختلف هو ما نسميه الطقوس؟

نعم، فمن واقع تجارب الكثيرين كانت المدينة القديمة تدعونا إلى ليلها والكتابة على موائدها بمادة الكلام الذائبة في السكون، تأخذ من النجوم رحيقها ومن الموسيقى روحها وتبتهل مع الخيال، فتبدو الكتابة هُنا طليقة خارج سيطرة النهار كمن يخلد إلى ذاته حالماً يستعيد الرؤى مع النجوم التي تملأ السماء دون ضجيج.. فلم تكن الكتابة يوماً من وظائف الحرث الشاقة تحت الشمس، وإنما من وظائف النقش العميق كإيقاع الموسيقى في الكلمات، وهي تسمو في أعماق الدجى تبدو فتيلاً مضيئاً حتى يكشفها النهار.

عن الليل والكتابة يقول الكاتب التونسي «عبد الدائم السلامي»: في الليل تهيج مواجع الكون ويزدهر فيه المحو: محو الأشكال والأصوات والخطابات والأمكنة، فلا يُرى ما يجب أن يُرى ولا تبقى فيه سطوة إلا لظُلمة تُقطِّر في صمتٍ ذكرى وحوش الحكايات القديمة وهي تصهل في أخيلة الناسِ، وتملأ كياناتهم بالخوف والهواجس والمكابدة. ولكنّ لليل سحراً لدى المبدعين، فهو واهبُ عزلتِهم، والعزلةُ في عرفهم صفاء يُحرِّر أفكارهم من أنظمة الرقابة النهارية، ويمنحهم القدرة على قراءة ذواتهم في اتصالها بما حولها. إنه منبع تخييلهم، وجسرهم الخفيُّ للعبور إلى فجر استعاراتهم.

ثمة عبور في الليل يأخذنا إلى مناطق مضيئة لم نعهدها في النهار، وهي دليل عشقنا الناصع في سماء أظلمت إلى سديم من أجل النجوم لتكون كاتبتنا في الليل ونبض كلماتنا.. من خواطره يقول الروائي السوداني «أسامة رقيعة»: للّيل بنات، هواجس وأفكار، ذكريات وهموم، والكاتب بطبعه فدائي يحمل همّ الآخرين ويحلم لأفراد مجتمعه وينضد أمنياته لهم، وحتى حين يرسم الجمال والإبداع فإنه يُحضِر فيه الآخرين ويخصُّهم به، ويثير مكامن الجمال لديهم، لذلك ظل الليل ملتقى لكل كاتب مع أحلامه وأفكاره وأمنياته وآلامه أيضاً، يناجيها ثم يستدعي الكلمات، كي تحملها لمن أراد. والليل وقت ناعم تسكن فيه الأشياء عن ضجيجها ليبرز ضجيج الأفكار وتنجلي المشاعر ويحضر الإلهام وتتقد الأشواق على مواقد الحنين.

أما الكاتب المغربي «هشام ناجح» فيصف الكتابة في الليل بقوله: كأني أرى الأشياء لأول مرة، لا أحد يدرك حقيقة الكتابة إلا عندما تتهادى نسمات الغبش، باثّةً فينا تلك الوحشة المبطنة التي تسعفها السكينة، فنتطلع إلى الخلق الأول الذي يخلق من رحم السواد، ويخرج الميت من الحي، والحي من الميت. الكتابة هذه المرأة الجميلة اللعوب تحتاج إلى أن نحمد الليل، ونسري بها إلى جلال الهدوء، بعيداً عن النهار الكاشف الواصف، فهي لا تهب نفسها للضجيج وكثرة الحركة، ولا تؤمن بالكشف الجلي عن مفاتنها إلا في حوزة السيِّد الأعظم، الذي يدعى الليل، فتعقد قرانها حين توصد الأبواب وتهمد اللعلعة، حتى تطبع قبلة الانغمار على جبينه، موحية ببداية مرجانية تشكل دواعي الفتنة، التي لا حد لها، لهذا كان لزاماً عليّ أن أختار الليل للكتابة، وترويض وحشي الذي يبدو هادئاً ومنسجماً مع قناعاته، ليس بحسٍّ عاطفي كشاعر يرنو إلى القمر والنجوم وأرق الحب واللوم الزائف، بل لأحتفل بالحياة من جهة حكايتها، وأبعثر ذاتي في شخوصي الليلية، التي تبدو مرنة مع حدة الميل النفسي، حين تهمد الأضواء ينبثق ضوئي الخاص، وتتوقد شعلتي الداخلية لتنير المحطات، وتذكر بالمواعيد، فالذاكرة البصرية النهارية خؤون بشموسها وسرابها حد العماء، وعقل الكاتب ليس محفوظاً في ثلاجة، يحتاج إلى هسيس الليل كمدية تشرخ الفعل الإنساني الشرس لينتج ما هو في حاجة خلاقة إليه.

الكاتب الليلي كما يصفه «هشام» يحس دائماً بأنه منذور لشيء عظيم. هذا النذر يأخذ كل مساعي القوى النفسية لتأجيج الحالة القصوى من الانبهار، كأنك ترى الأشياء لأول مرة؛ لقد كان شهريار على حق حين كان يأمر بالسفر في الحكاية من فم شهرزاد محدداً وقت الاستجابات، فتزداد الحكاية تشعُّباً عقب كل فجر، مولدة حكاية الليلة الموالية.. إن الحكاية تحتاج إلى الليل حتى تدب إلى موطن الأسرار، وتقرع باب الاستبطان، وترجرج نوبات الخلق الأول، حالما شرع الرب يسمي الأشياء، ويتلقفها الإنسان لتتحول إلى لغة محكية تسبر أغوار النفس اللاهثة للشوق وللنذر العظيم، هروباً من جحيم النهار الفاضح المثقل بالغبار والسأم، فالليل هو من يطرد الحكاية إلى محشرها لتلمّ أشلاءها، وتحدِّد جنّتها ونارها، وتبني أفقها كمنار يوجه البواخر العابرة.

وعن التكوين البدائي لشخصية الكاتب وعلاقته بالليل، يصف الكاتب المصري «خالد عاشور» الكتابة في الليل بأنها متعة، ويرجع ذلك إلى تأثره بالموروث الحكائي الذي استقاه من جدته في «سوهاج» إحدى محافظات صعيد مصر، وليجد المتعة ذاتها في القاهرة المدينة التي تكتنز الليل للكتابة فيقول: ظلّت الكتابة عندي مرتبطة بالليل لما تكون عليه مدينة القاهرة في الليل. القاهرة في النهار هادرة عنيفة صاخبة متوتِّرة لا تدعو أبداً إلى الكتابة ولا تشجع عليها إلّا إذا كانت هناك عزلة ما، كما كان يمارسها نجيب محفوظ مثلاً في أحد المقاهي منعزلاً عن الناس، راصداً أبطال رواياته في دأب وصبر، أما في الليل حين تنام وحوش المدينة ومع السكينة يبدأ همس الكتابة. الليل هو ملاذ من صخب النهار وحياة التوتّر التي يقضيها أي كاتب في مدينة مرعبة بضجيجها حدَّ الخوف، ليبقى الليل بفتنته منادياً كـ«النداهة» في قصّة يوسف إدريس.

لقد توّجت الكتابة الليل بأن جعلته كائنها الجميل للإبداع، تأخذ منه ما يشتهيه الخيال لنبض الكلمات، وبما يخفيه من ذكريات وأسرار تفرش أجنحتها في الأحلام، تطير بالأمل كما الفراشات حتى يدركها الصباح.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»