Atwasat

عبد الله القويري وأُبوَّة الكلمة

أمين مازن الأحد 13 أبريل 2025, 01:42 مساء
أمين مازن

وصف الأديب الراحل عبد الله القويري الكلمة في كتاباته التي كان ينشرها في العام السادس والستين من القرن الماضي على صفحات جريدة الحرية الليبية بقوله ابنتي الكلمة، وهو وصف قد يظن من قرأه مجرد مفردة أملاها السياق، أما من كان على وعيٍ بالواقع الليبي وما بدا يلوح فيه من نذرٍ تتعلق بالمصير جراء ما أحدثه الواقع الجديد من المتغيرات الاقتصادية التي لا مفر من إنفاقها وتأثيرها على ذلك الواقع، فلا مناص من أن يدرك أبعاد صفة الأُبُوَّة التي اختارها الكاتب بما توحي به من واجب الصون المتعلق بالعِرضِ والسلاحِ وربما المالِ أيضًا.

فقد انحاز عبد الله القويري للكلمة وهو يدرس في الجامعات المصرية حيث المولد والنشأة، وقد اختار جنس القصة القصيرة التي حَذَقَها بين نظرائه في الدراسة من طلابٍ بالجامعات في خمسينيات القرن الماضي حيث نادي الطلبة الليبيين الذين رافق بعضهم كما سمعتُ في حوارٍ ذكر فيه كامل المقهور عبد الله القويري عن لقاءاتهما في تلك الأيام بمصرَ، وقد استغربت كثيرًا كيف خَلَت منها سيرة المقهور «محطات»، خاصة أنها أشارت إلى حريق القاهرة عندما دُبِّرَ ليوجِدَ المبرر للتنكيل بالقوى الوطنية المصرية التقدمية، تلك التي طالت يوسف القويري بالسجن واستظهرنا منه ما كان يعيده من أناشيد أولئك المساجين الجامعين بين الطلبة والعمال والفنانين الذين حَشّدتهم التنظيمات السرية المعادية للأحلاف غير المتكافئة وكان أخرُها مشروع معاهدة صدقي ـ بيڤن.

لقد كان عبد الله القويري منحازًا للنص السردي المسرحي، ولا يُخفي تبرّمه من النص المباشر وقد جنّبه ذلك الاقتياد إلى سجون مصر، ومن هنا رأيناه يعود إلى وطنه ضمن الأحياء من عائلته، أولئك الذين ظلوا على صلةٍ بالوطن حتى وهم في المهجر المصري وربما حرصوا على التسجيل الإداري لنفوسهم حتى كانت العودة وعمله في دوائر الدولة الليبية وخوضه تجربة النشر في أكثر من جريدة ابتداءً من جريدة فزان وكذلك جريدة العمل في بنغازي حيث الحوار الشهير حول الشخصية الليبية.

وما قوبل به من نقدٍ لم يخلُ من الغرضية وبالذات مسرحيته عن عمر المختار، ونعود فنقول إن بُنُوَّة الكلمة لا تعني سوى حقيقة أن القويري يريد أن يقول على الأرجح للذين بدا الإعلام بجرفهم لتعليقاتهم الإذاعية الساذجة ومدائحهم الممجوجة للعهد حتى إنه أقدم على تقديم استقالته من الوظيفة التي عُيِّنَ بها فور عودته من مصر وكان يمكن أن تحقق له الاستقرار الذي كان في مسيس الحاجة إليه لولا سوء التقدير الذي لن نتخذ من رحيل الصديق عبد الله من الدنيا مبررًا لاستبعاد مسؤوليته الشخصية وإن كُنَّا نشعر اليوم بالحاجة الملحة لاستدعاء موقف القويري من الكلمة من حيث هي رسالة مقدَمة ووسيلة مُشرِّفَة ونعمة حُبِيَ بها الخُلَّص من عباد الله فلن يكونوا جديرين بشرفها ما لم ينزهوها عن كل ما يشين، على خلفية أن أهل العلم أحق الناس بصون هذا العلم كي يظفروا بما يتطلعون إليه من الصون وقد نقول التعظيم، وما من سبيلٍ لذلك أكثر من التجرد من الأطماع التي تُفقِدُ هذا الكنز الثمين جلاله، فيعلوه التجهم عوض الجاذبية، ويهون بالتالي الحامل والمحمول وبالضرورة الوالد والمولود.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»