لطالما ارتبطت السياسة والاقتصاد بعلاقة معقدة، لكن صعود دونالد ترامب إلى السلطة كشف عن توجه جديد: إدارة الدولة بعقلية التاجر، حيث تصبح الموازنات هي المعيار الأول، والمصالح الاقتصادية هي البوصلة الوحيدة. هذه النظرة تتجاهل طبيعة الدولة ككيان اجتماعي وتاريخي، ما يؤدي إلى قرارات قصيرة النظر تُهدد استقرار النظام السياسي والاقتصادي العالمي.
لكن كيف نفهم هذه الظاهرة؟ وهل هي مجرد نزعة فردية أم أنها جزء من دورة تاريخية متكررة؟ يمكننا اللجوء إلى توماس هوبز وابن خلدون، اللذين قدّما تفسيرين متكاملين لأزمات الحكم، وتكرار الأخطاء عبر الأجيال.
التجربة المفقودة وإعادة إنتاج الأخطاء
هوبز: الشعوب لا تتعلم إلا بالدم!
يرى هوبز أن البشر لا يُدركون قيمة النظام إلا بعد معايشة الفوضى. في حال غياب الخطر المباشر، ينسى الناس أهمية المؤسسات التي تحفظ الاستقرار، ما يجعلهم عرضة للانجرار خلف أفكار تهدم النظام من الداخل.
• المشكلة اليوم: الجيل الأمريكي الحالي لم يعش أهوال الحرب العالمية أو الحرب الباردة، لذا يصعب عليه فهم مبررات الإنفاق العسكري الأمريكي أو التزامات واشنطن الدولية. عندما جاء ترامب وطرح فكرة تقليص هذه الالتزامات بحجة أنها «صفقات خاسرة»، لقيت الفكرة قبولًا واسعًا، لأن الذاكرة التاريخية للأجيال الجديدة لم تحتفظ بأسباب نشأتها.
• ترامب كمثال عملي: عندما دعا إلى تقليص إسهامات أمريكا في «ناتو»، لم يكن ينطلق من رؤية استراتيجية، بل من منطق «العائد على الاستثمار». لم يفهم أن «ناتو» لم يكن مجرد تحالفٍ عسكري، بل كان أداة لمنع تكرار سيناريوهات الفوضى التي سبقت الحرب العالمية الثانية.
ابن خلدون: من ينسى ذاكرة التأسيس يُدمّر الدولة
في نظريته عن دورة حياة الدول، يؤكد ابن خلدون أن المجتمعات تبدأ صلبة ومتماسكة بفعل التجربة الصعبة التي مرت بها عند التأسيس، لكنها ما إن تصل إلى مرحلة الاستقرار والرفاهية حتى تنسى تلك التحديات، فتصبح ضعيفة وعاجزة عن مواجهة الأزمات الجديدة.
• الجيل الجديد في أمريكا وأوروبا: لا يفهم لماذا تبذل الدول الكبرى جهودا لحماية النظام العالمي، ولماذا تُموّل مشاريع لا تحقق أرباحًا فورية. هذا الجيل لم يعش تجربة التأسيس، لذا يتصرف كما لو أن النظام الحالي سيبقى قائمًا دون الحاجة إلى صيانته.
• من هنا تأتي النزعات الشعبوية، التي ترى في العولمة والتعاون الدولي «عبئًا غير مبرر»، وتدعو إلى الانعزال بدعوى «إعادة العظمة» للأمة. لكن هذه الأفكار، كما يوضح ابن خلدون، ليست إلا مقدمة لانهيار الدولة، لأنها تقطع صلتها بأسباب نشأتها.
تآكل الطبقة الوسطى وصعود الشعبوية
أحد العوامل التي عززت عقلية «الدولة كشركة» هو انهيار الطبقة الوسطى، التي كانت تاريخيًا العمود الفقري لأي نظام مستقر.
• التضخم وأزمة كورونا: سببت هاتان الأزمتان تراجعًا حادًا في القوة الشرائية للطبقات الوسطى في الغرب، ما جعل الناس أكثر ميلًا للحلول الشعبوية التي تقدم وعودًا بسيطة وسريعة (مثل وعود ترامب بإعادة الوظائف الصناعية).
• حرب أوكرانيا وأثرها: زادت هذه الحرب من الضغوط الاقتصادية، ما عزز الخطابات القومية والانعزالية، تمامًا كما حدث بعد الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما دفعت الأزمة الاقتصادية أوروبا نحو الفاشية.
بالتالي، يمكن القول إن الشعبوية ليست مجرد تيارٍ سياسي، بل هي نتيجة حتمية للظروف الاقتصادية والاجتماعية، تمامًا كما أن انهيار الدولة في نظر ابن خلدون ليس مجرد «خيانة» من النخب، بل هو جزء من دورة تاريخية متكررة.
عقلية التاجر: اختصار الدولة إلى ميزانية
إحدى أخطر نتائج هذا التحول هي اختزال الدولة في حسابات مالية بحتة، دون اعتبار للعوامل السياسية والاجتماعية طويلة الأمد.
• ترامب مثالًا: عندما قرر تقليص المساعدات الخارجية كان منطقه واضحًا: «لماذا نعطي المال لدول لا تفيدنا اقتصاديًا؟». هذا التفكير قد يكون منطقيًا في عالم التجارة، لكنه كارثي في السياسة، لأن الدول لا تُدار كمشاريع ربحية، بل وفقًا لاستراتيجيات طويلة الأمد تهدف إلى بناء النفوذ والاستقرار.
• المنطق نفسه يتكرر في ليبيا: هناك بعض رجال الأعمال الذين يرون إدارة الدولة بالطريقة نفسها، معتبرين أن كل استثمار يجب أن يكون مربحًا بشكل مباشر. لكن الدولة ليست شركة، بل هي منظومة اجتماعية متكاملة تتطلب استثمارات غير ربحية، للحفاظ على استقرارها (مثل التعليم والصحة والأمن).
النظام العالمي في خطر!
عقلية «الدولة كشركة» لا تؤثر فقط على الداخل، بل تهدد استقرار النظام الدولي ككل.
• تفكك الشرعية: عندما تُدار الدول بمنطق المقاولات تفقد المؤسسات الدولية قيمتها، لأن كل دولة ستتصرف وفق مصالحها الآنية فقط، دون اعتبار للتوازنات الكبرى.
• اختصار دورة حياة الدول: في الماضي، كانت الدول تنهار عبر قرون كما شرح ابن خلدون، لكن اليوم بفضل سرعة الاتصال والعولمة، يمكن لدولة أن تمر بهذه الدورة في عقود قليلة فقط.
كيف نكسر هذه الحلقة؟
إذا كان التاريخ يُعيد نفسه، لأن الناس ينسون، فإن الحل يكمن في استعادة الذاكرة التاريخية بوسائل جديدة:
• التعليم السياسي القائم على محاكاة الأزمات: بدلا من تدريس التاريخ كأحداثٍ ماضية، يمكن تصميم نماذج محاكاة تُظهر كيف تؤدي قرارات معينة إلى نتائج كارثية (مثل محاكاة ماذا كان سيحدث لو لم ينشأ «ناتو»؟).
• إعادة تعريف «العصبية»: كما تحدث ابن خلدون عن العصبية كأساس للدولة، يمكن اليوم إعادة توجيهها نحو قضايا جديدة، مثل البيئة أو العدالة الاقتصادية، بدلًا من القومية الضيقة التي تقود إلى التفكك.
هل نحن محكومون بدورة لا نهائية؟
السؤال الأكبر الذي يطرحه هذا المقال هو:
• هل نحن محكومون بحتمية تاريخية، حيث تنهار الدول كلما نسيت ماضيها أم أن العولمة الرقمية، بقدرتها على توثيق كل شيء، قد تساعد البشرية على تجاوز هذه الحلقة المفرغة؟
ما نراه اليوم من عودة النزعات القومية، وصعود الشعبوية، وانهيار المؤسسات الدولية، يوحي بأننا ما زلنا أسرى لدورة هوبزية - خلدونية لا فكاك منها. لكن ربما إذا استطعنا استخدام التاريخ بطريقة مختلفة، فقد ننجح أخيرًا في كسر هذه الحلقة.
كلمة أخيرة
هذه المقالة ليست مجرد تحليل لظاهرة ترامب، بل محاولة لفهم كيف تتحرك المجتمعات في دوائر تاريخية، وكيف يمكننا استخدام هذا الفهم لصياغة مستقبلٍ أكثر استقرارًا.
فهل نتعلم هذه المرة أم ننتظر سقوطًا جديدًا لندرك قيمة ما فقدناه؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات