Atwasat

علم النفس وعكازي عبدالحميد

محمد عقيلة العمامي الإثنين 24 مارس 2025, 04:50 مساء
محمد عقيلة العمامي

قيل أن هناك حالة خانقة تتملك المرء، حتى إنه يتمنى أن يضع نفسه بين الإبهام والسبابة ويلقى بها بعيداً! كنا ثلاثة شباب أسسنا سنة 1974 مكتباً للتجارة والتأمين والمحاسبة، أحدنا، رحمه الله، بعد تخرجه بفترة وجيزة انطلق مع رفاقه في رحلة سياحية إلى الإسكندرية، جراء حادث أليم عاد منها صديقنا عبدالحميد مقعداً، فتولى قسم المحاسبة، أما عثمان فتولى جانب التأمين وأنا التجارة، غير أنه سريعاً ما تولى عبدالحميد مهام أخرى، فقد أصبح لنا ولرفاقنا كالراهب الصارم والمهيب، الذي يسمع اعترافات المسيحي بذنوبه، غير أن عبدالحميد تولى أمر هذه المهمة ولكن بابتسامة وسعة صدر، حتى أنه لم يعد مجرد منصت لهمومنا بل كمعالج نفساني، لا تفارقه الابتسامة وسعة الصدر والترحيب الدافئ، كان يأتيه أي منا ويشكو له حاله، ولا يغادره إلاّ متبسماً متفائلاً.

ولقد لاحظته، وواجهته بأمر كنت قد انتبهت إليه، وهو أنه عندما ترتفع وتيرة يأس الشاكي، يسحب من جانب كرسي عكازيه اللذين يتحرك بهما حتي يصل سيارته المجهزة لمن هم في مثل حالته، ويتكئ على العكازين، وكأنه يتأهب للمغادرة ولكنه يظل متبسماً يستمع إلى قضية الشاكي، ولكنه لا يغادر. ذات يوم واجهته بما يفعل، فاتسعت ابتسامته حتى صارت ضحكة مشرقة كالتي يعرفها رفاقه. قال لي: «أريد أن ينتبه إلى أن مشكلته التي يحاول أن يقنعني بها لا تساوي شيئاً أمام العكازين!».

ولماذا أقول لكم ذلك؟ لأنني على يقين من أن تمني المرء يلقي بنفسه بعيداً بسبب مشكلة هي بالتأكيد لا تساوي السجن المتحرك الذي أقعده قبل أن يستمتع بشبابه، علماً طوال دراسته في كلية الاقتصاد، ونحن حينها كنا في كلية الآداب، يندر جداً ألاّ يكون ضمن المجموعة التي لا تترك فرصة أثناء فراغها من دون أن تنقسم فريقي كرة قدم ويلعبانها في ساحة كلية الاقتصاد الخلفية!

الانقباض النفسي سببه وقوع المرء تحت سطوة ظروف يصعب كثيراً تغييرها؛ بل تغييرها يحتاج إلى وقت، وطوال هذا الوقت تكون النفس تحت سطوة الظروف.

ولعله من المفيد العلم بأنه أحياناً لا تكون هناك أسباب خارجة عن إرادتنا، سبق وأن توصل دكتوران متخصصان في علم النفس هما – (ولهلم فليس)، من جامعة برلين و(وركسفورد هيرس) من جامعة بنسلفينيا - إلى أن سُحب الكآبة تخيم على الأفراد في فترات منتظمة حد الدهشة، فتأتي أحياناً لأحد ما - مرة كل 16 يوماً، ولغيره كل 62 يوماً - أما النساء فالأمر في الغالب مرتبط، بل تعقده مسألة الدورة الشهرية، وغالباً ما يتعودن عليها، ويعرفن تلك الحالة بفترة تسبق موعدها. وجامعة أخرى أجرت تجاربها على طلبتها فوجدوا أن ساعات الانقباض تقع أول النهار وآخره، وتحديدا أيام الاثنين، وخلال الثلاثة الأولى من السنة!

ويؤكد العلماء أنك لو سجلت حالاتك النفسية، التي تطرأ عليك، من دون سبب طارئ، ستكتشف أنها تعود إليك بعد عام في اليوم نفسه أو خلال أسبوع قبل أو بعد الموعد الذي طرأت فيه عليك وسجلته.

ويقول الكاتب عبد المحسن صالح في كتابة (دورات الحياة): «إِنَّ الدَارِسِيْنَ لِهَذِهِ الدَوْرَاتِ يَعْلَمُونَ مَظَاهِرَ رَوْعَتِهَا؛ وَيُدْرِكُونَ دِقَّةَ نُظُمِهَا؛ فَقَدْ وُضِعَتْ لَهَا قَوَاعِدُهَا وَأُسُسُهَا مُنْذُ مَلايِينِ السِّنِينَ – مِنْ قَدِيْمِ الأَزَلِ–؛ وَسَارَتْ الأُمُوُرُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ؛ وَكَأَنَّهَا عَجَلَةٌ ضَخْمَةٌ .. مُتَوَازِنَةٌ فِي سَيّْرِهَا؛ مُنْتَظِمَةٌ فِي دَوَرَانِهَا؛ رَائِعَةٌ فِي مَدْلُولِهَا؛ وَفَوْقَ كُلِّ هَذَا فَلاَ خَلَلَ فِيْهَا وَلاَ فُرُوج.. ومَعَ الدَّوْرَاتِ لاَ بُدَّ أَنْ تَقْفِزَ الأَرْقَاُم التِي سَنُبَيِّنَ بِهَا مَعَالِمَ الكَوْنِ وَالأَحْيَاءِ؛ وَالأَرْقَامُ قَدْ تَكُونُ ضَئِيْلَةً غَايَةَ الضَآلَةِ؛ أَوْ ضَخْمَةً غَايَةَ الضَخَامَةِ؛ وَكِلاَ الأَمْرَيْنِ يُصِيْبُ العَقْلَ البَشَرِيَّ فِيْهِمَا قُصُوُرٌ؛ وَقَدْ لاَ يُسْعِفُنَا فِيْهِمَا الخَيَالُ؛ مَهْمَا أَطْلَقْنَا لَهُ العَنَانَ».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»